مكة 31القدس14القاهرة23دمشق17عمان15
24 10/2017

فينيقيا وفلسطيني... مسمى واحد لشعب واحد

نشر بتاريخ: 2017-02-11
أحمد الدبش
المسألة الأكثر إرباكاً في كل بحث يتناول التاريخ القديم لإحدى مناطق سوريا الطبيعية هي محاولة التوصل إلى معرفة أصل الجماعات السكانية ما قبل العربية التي أقامت دولاً حضارية هنا وهناك، وخاصة في حقب زمنية موغلة في القدم.

المصطلح الأول: كنعان

أطلق مؤرخو الشرق الأدنى القديم على العناصر التي قطنت فلسطين ولبنان وسوريا، منذ أقدم العصور تسمية كنعان وكنعانيين، كتسمية تقليدية عامة لمنطقة فلسطين والساحل الفينيقي، دون تحديد دقيق. واستناداً إلى عدد من الحقائق استنتج سباتينو موسكاتي (صاحب كتاب "الحضارات السامية القديمة") أن هذه التسمية لا تبعث على الرضا من نواح عدة، لأنه يبدو من تمحيص المصادر أن لفظي كنعان والكنعانيين كانا يعنيان قبل كل شيء فينيقيا والفينيقيين، ولم يستعملا إلا في عصر متأخر للدلالة على مدلولين أوسع نطاقاً: أحدهما جغرافي، والآخر جنسي.
هذا بالنسبة إلى أن حدود تلك التسمية ليست محددة تحديداً يدعو إلى الرضا، فهذه الحدود واضحة بعد مجيء القبائل الآرامية، ولكن هذا الحدث متأخر نسبياً، وكان لفظا كنعان والكنعانيين يطلقان قبل ذلك على المنطقة السورية - الفلسطينية بأسرها وسكانها، ثم إن الكنعانية لجهة كونها مجموعة لغوية ليست وحدة حقيقية، فلفظ "كنعاني" يطلق كما لاحظ الأستاذ فريدرش (أستاذ لغات) عن حق، على أي عنصر لغوي سوري - فلسطيني لا ينتمي إلى الآرامية.
يذكر العلّامة طومسن أنَّ مصطلح "كنعاني" أساء استعماله معظم العاملين في الأركيولوجيا ودراسات الشرق الأدنى القديم اليوم، و"كنعاني" كما هو مستعمل في الأركيولوجيا التوراتية اسم قبلي تعود أصوله إلى مرويات العهد القديم خلال مرحلة ما بعد النفي، الهادفة إلى "محاربة عبادة بعل". فهو القطب المضاد لإسرائيل، وفي العصر الحديدي الأول، لا يبدو مناسباً أبداً. إطلاق "كنعاني" على ثقافة الدولة ــ المدينة في السهول والوديان الرئيسية مثير للاعتراض، ليس لأنه غير تعسفي في تحديداته فحسب، بل لأنه يفترض وحدة إثنية - سياسية ومادية هي ببساطة لا تتوافق مع أي حقيقة نعرفها، حتى خلال العصر البرونزي.
و"كنعاني" ليس اسماً جغرافياً فحسب، ولا يعرف كاسم قبلي في هذا التاريخ المبكر، بل إن إطلاقه على الأراضي المنخفضة في فلسطين كمنطقة يسود فيها نظام الدولة ــ المدينة في العصر الحديدي الأول، مثير للسخرية.
يعود طومسن ويشير في كتاب "الجديد في تاريخ فلسطين، الفصل الثالث: من العصر الحجري إلى إسرائيل"، إلى أن كلمة كنعاني تقوم بوظيفتها مصطلحاً ازدائياً بالإشارة ليس إلى الإثنية أو حتى إلى شعب منطقة ما، بل إلى الطبقة التجارية في المجتمع، على نحو يتماشى كثيراً مع التمييزات الاجتماعية، كما هو موجود ضمناً في الإشارة العربية، إلى البدو والفلاحين والمدنيين.
في الورودات الكثيرة للاسم (كنعاني) في التراث الكتابي، فإن المشار إليه هو السكان الأصليون الأسطوريون لـ"أرض كنعان" مع الإشارة إلى فلسطين. المرة الأولى التي يستخدم فيها هذا المدلول معرفاً لذاته ذي دلالة إثنية هي في نص فينيقي متأخر، من دون الإشارة إلى فلسطين إطلاقاً.
ويكفي أن نذكر أن اليونانيين تحدثوا عن الفينيقيين، ولم يذكروا الكنعانيين، بدءاً من هوميروس إلى هيرودوتس. ومن المسائل الواجب أخذها بعين الاعتبار أن سكان الساحل السوري لم يطلقوا على أنفسهم كنعانيين، بل كانوا يعرفون أنفسهم بأهل صيدا، وأهل صور، وأهل جبيل... إلخ.

المصطلح الثاني: فينيقيا

في مؤلف "مكتبة التاريخ"، يسجل المؤرخ هيرودوتس (484 - 425 ق. م)، ما يلي: "إن الفرس البارعين في معرفة تاريخ بلادهم، ينسبون إلى الفينيقيين المبادأة في العدوان، بدعواهم أن هؤلاء جاؤوا من سواحل بحر إريتريا (البحر الأحمر) إلى شواطئ بحرنا، وسافروا في البحر مسافة طويلة حالما استقروا في البلاد التي اتخذوها موطناً لهم الآن، وطفقوا يتاجرون بالبضائع المصرية والآشورية، بأن ينقلوها إلى أماكن عدّة منها بلدة ارغوس، وهي التي كانت يومئذ أعظم مدن تلك البلاد المعروفة الآن باسم إغريقية. وكانوا بحال وصولهم قد باشروا بيع بضائعهم. وفي خمسة أو ستة أيام نفذت بجملتها. وكانت جماعة من النساء وفي جملتهن ابنة الملك ايناخوس المدعوة (بو) قد أتين للابتياع. قال مؤرخو الفرس، وبينما أولئك النساء يبتعن من البضائع ما يروق لهن، هاج الفينيقيون عليهن بعضهم بعضاً، فتواثبوا وسبوا (بو) وبعض النساء، وفرَّوا قاصدين نواحي مصر. ذهب مؤرخو الفرس إلى أن (بو) أحضرت إلى مصر بهذه الصفة، وخالفهمْ في ذلك مؤرخو الفينيقيين، وزعموا أيضاً، أنه بعد ذلك توجه قوم من الأغارقة بسفائنهم إلى مدينة صور من أعمال فينيقية وارسوا في مينائها، ثم اختطفوا أوروبا ابنة الملك".
يعيد هيرودوتس تأكيد موطن الفينيقيين بقوله: "الفينيقيون كانوا يسكنون سابقاً سواحل بحر إريتريا (البحر الأحمر) كما يقولون هم أنفسهم. إذ اجتازوا من هناك إلى سواحل سوريا فقطنوها. والقسم من سوريا مع كل البلاد التي تمتد إلى تخوم مصر يسمى فلسطين".
يزيد هذه الحقيقة تأكيداً وتأييداً ما رواه الرحالة المؤرخ الجغرافي اليوناني سترابون (Strabo)، الذي كتب في أواخر القرن الأول قبل الميلاد، وأوائل القرن الأول الميلادي، في الفصل السادس عشر من كتابه الشهير في الجغرافيا "التاريخ الجغرافي" (م3،4)، حيث يتحدث عن الخليج الذي تطل عليه منطقة البحرين فيشير فيه إلى جزيرتين هما: أرادوس Arados وصور Tyros، ويحدثنا أن في هاتين الجزيرتين معابد تشبه معابد الفينيقيين وأن أهل الجزيرتين يؤكدون أن المدن والجزر الفينيقية التي تحمل هذين الاسمين [يشير إلى ميناء إرواد وميناء صور التي كانت في أصلها جزيرة ربط الفينيقيون بينها وبين الساحل السوري] هي مستوطنات لهم (أي لأهل جزيرتي الخليج). أيضاً، يؤيد بليني (مؤرخ روماني) هذه الواقعة، بل ما لنا نذهب في الاستشهاد بعيداً وهذا الخليج لا يزال فيه إلى يومنا هذا ثغرٌ اسمه جبيل على اسم الثغر الآرامي في الشام.
إن التشابه بين الهياكل الدينية في فينيقيا والبلاد العربية على الخليج واشتراك البلدين في عبادة (عشتروت) ووجود بلاد في كل من الجهتين تتفق في أسمائها ليس كله مما يجوز حمله على مجرد الاتفاق الذي لا معنى له، وكون الفينيقيين عرباً جاؤوا إلى الشام من جنوب البلاد العربية حقيقة معترف بها ومشهورة من قديم الزمان.
ذكر يستين، مختصر "تزوغ بمبي (18: 3)"، أن "الفينيقيين لما آذتهم الزلازل في أوطانهم وأضرت بهم هجروها وأقاموا أولاً بالقرب من البحيرة الآشورية (الخليج) ثم رحلوا من هناك ونزلوا عند البحر (أي الأبيض) وفي ذلك المحل بنوا مدينة سموها (صيداء) لكثرة الأسماك في ساحلها". أما المؤرخون العرب فيقولون إنهم عبروا مضيق الجزيرة العربية من مصب الفرات إلى وادي الأردن. وبما أن الفينيقيين قد ابتكروا الصباغ الأرجواني، اعتقد بعض الباحثين الغربيين أن هذا الاسم قد أعطى لهم لتخليد صناعة قومية اقترنت بهم.
رغم الإجماع شبه العام على أن الفينيقيين هاجروا من جزيرة العرب، كان تحديد المؤرخ هيرودوتس بارعاً في تحري منابع الأخبار وأنهم جاؤوا من بحر اريتريا [البحر الأحمر]، وقبله تزوغ بمبي المعروف بالرأي الصائب، ثم إضافة استرابون من وجود مدينتي (أرادوس Arados) و(صور Tyros) على الخليج الذي تطل عليه منطقة البحرين، كما أيده في ذلك بليني.
السؤال الذي أطرحه على السادة من مؤرخينا: لماذا لم يثر كلام هؤلاء الثقاة أي رغبة عربية في التدقيق والتحري عن صحة هذه الأخبار؟ لقد كان ذلك جهلاً من مؤرخين كان همهم إثبات نظريات مؤرخي الغرب وبحّاثة التوراة في ما يتعلق بجغرافية التوراة. ووفق قناعاتي الشخصية أنه وجب البحث عن الفينيقيين في جنوب جزيرة العرب، إذ كانت الأسطورة تقول إنه في الألف الثاني قبل الميلاد جاء ليستقر فوق رقعة الأرض الضيقة بين البحر الأبيض المتوسط وجبال لبنان شعب آتٍ من الجزيرة العربية. هذا الشعب كان يدعى بالفينيقيين، الكلمة التي تعني الشعب الأحمر، وقد حافظ على اسمه في جنوب جزيرة العرب بـحِمْير. إننا في الواقع نجد في لفظتي حِمْيَر وحِمْيَريين الجذر الثلاثي (ح م ر) الذي لا يزال في أيامنا هذه يعنى في العربية الاحمرار. وليس مستبعداً أن يكون هؤلاء الحميريون قد أعطوا اسمهم أيضاً للبحر الأحمر الذين كانوا يقصدونه، الذي لا بد أنهم قد عبروه أثناء رحلتهم الطويلة إلى الغرب.
كان الحميريون يشكلون في العصر القديم من القرن العشرين قبل الميلاد حتى القرن الخامس الميلادي أشهر تكتل عرقي وسياسي في جنوبي شبه الجزيرة العربية، وكانوا يحتلون حضرموت الحالية. كانت أراضيهم تمتد قديماً من عدن حتى مسقط. كما يبدو أن مملكة حمير كانت لها علاقات قرابة وثيقة مع مملكة سبأ. ومن المحتمل أن هاتين المملكتين قد شكلتا خلال عصور طويلة مملكة واحدة.

المصطلح الثالث: فلسطيني

تفيد الحوليات المصرية أن تلك الموجة البشرية هُزمت في عهد رمسيس الثالث (1193 ـ 1162 ق.م). الذي أوقف تقدمهم عند مصب نهر النيل. وفي النقوش العائدة إلى الأخير، ترد تفاصيل إلحاق هزيمة بأعدائه، منهم (دنونا) و(فولستا). كما عُثر في مدينة هابو الواقعة قرب الأقصر في مصر العليا على نقوش أخرى تقول إن رمسيس الثاني (1290 ـ 1224 ق.م) هو الذي حقق ذلك النصر على ستة أقوام هي (فرست / ف ـ رـ ست)، و(دانونا)، و(شكلش / سكلس)، و(شردنو)، و(شش)، و(تجكر).
انطلاقاً من حقيقة أن قدماء المصريين لم يوظفوا حرف اللام (ل) لكتابة الأسماء غير المصرية، واستعاضوا عنها إما بحرف الراء (ر)، أو حرف النون (ن)، فقد اقتنع معظم العلماء بأنه وجب كتابة الاسم (فرشت) على نحو (فلشت). ومن ناحية أخرى فقد عُثر على الاسم (فلست) في نصوص عائدة إلى رمسيس التاسع (1134 ـ 1117 ق.م)، ويشير إلى اثنين من أقوام البحر هم (شردانا)، و(تجكر)، وإلى ثلاث مدن (فلستية / فلسطية) هي: عسقلان، وأشدود، وغزة.
يذكر روبرتسن سميث (مستشرق إسكتلندي وعالم في العهد القديم) أن الفلسطينيين يوصفون أحياناً بأنهم شعب غير سامي، لكن ثبتت قلة الأسانيد التي تؤيد هذا الرأي، ورغم دخولهم إلى فلسطين عبر البحر ربما من كريت، فإنهم كانوا إما من أصل سامي أو كانوا على الأقل يصطبغون بالصبغة السامية بالفعل، سواء في اللغة أو في الديانة لدى هجرتهم.
يشير العلامة طومسن إلى أن كلمة فلسطين لا تستعمل لوصف مهاجرين من بحر ايجه وكليكا، كما لا تستعمل لوصف العناصر المشاغبة في الإمبراطورية المصرية الأخيرة، فقد استعملت في وقت متأخر جداً اسماً لشعب السهل الساحلي الجنوبي ولجماعة تنتسب إلى سكان الدول المدينية في فلستيا. أما سكان السهول الساحلية الفلسطينية، فكانوا من أصول مختلفة ومعظمها من الساميين الغربيين الأهليين في فلسطين، من حيث ثقافتهم المادية ولغتهم وديانتهم.
تعبير "فلسطين" يشير مبدئياً إلى حقيقة جغرافية، وفي القصص التوراتية يكتسب سمة إثنية محدودة خيالية، كمناهض رئيس لظهور "شعب إسرائيل"، كما في قصص القضاة وصموئيل 1ـ 2. وفيها أن الفلسطينيين لم يوجدوا بوصفهم شعباً إلا في المنظور العرقي التوراتي اللاحق، وإشارات النصوص الآشورية إلى (بي ـ ليس ـ تي) مثل الإشارات إلى ( آ ـ يو ـ دي) جغرافية تناقض الإشارات الإثنية. الكلام لا يزال لنفس العالم: "القول إن الفلسطينيين يمثلون شعباً غريباً متطفلاً على فلسطين، يجب إنكاره. التأثير الوارد من بحر إيجه جزئي، وعلى أساس البينات المعروفة كان هذا التأثير هامشياً وسطحياً في اللغة والديانة والأشياء المادية حتى في أقدم أشكال الفخار المدعوة فلسطينية. كانت ثقافة المنطقة الساحلية وطنية تماماً ويمكن القول إنها متأثرة بحضارة بحر إيجه لكنها سامية تماماً وذات طابع حضاري فلسطيني".
والحقيقة أن المخلفات الحضارية الفلسطينية في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد وضمن ذلك الساحل الفلسطيني هي استمرار لحضارة العصر البرونزي الأخير. ومن أهم المكتشفات التي تنسب عادة إلى الفلسطينيين فخار ملون بأشكال هندسية وطيور، وتظهر أيضاً أشكال حلزونية ومجموعات من أنصاف دوائر متشابكة. أما أشكال الأواني نفسها فمشابهة للأواني التي عثر عليها في جزيرتي رودس وقبرص، ولكنها غير مطابقة لها، ومن الصعب اعتبارها مستوردة، بل على العكس، إن طينة الفخار محلية وصانعوها محليون أيضاً رغم تأثرهم بصناعة الفخار المعروفة في الجزر الإيجية.
ظهرت التأثيرات الكنعانية [الفينيقية] المحلية في مخلفات الفلسطينيين بأسماء آلهتهم أمثال داجون وعشتروت، كما أن العمارة من مبان عامة ومنازل مستمدة من التقليد المعماري للعصرين البرونزيين الوسيط والأخير، والحياة الدينية عند سكان الساحل الفلسطيني كنعانية [فينيقية] الأصل، وكذلك المباني الدينية وأهمها: سلسة المعابد المتعاقبة في تل القصيلة التي أنشئت على غرار المعابد الكنعانية/الفينيقية مع ما يظهر عليها من تأثيرات مصرية وإيجية.
بذلك يصعب على الباحث التفريق بين ما يمكن نسبته إلى المجموعات البشرية التي سكنت فلسطين في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، فوجود هذا الصنف من الفخار أو ذاك في منطقة معينة لا يدل بالضرورة على سكنى هذه المنطقة من مجموعة إثنية مختلفة، لكنها غالباً ما تعني أن هذه المنطقة وقعت تحت تأثيرات خارجية.
هنا نطرح السؤال التالي: كيف يكون الفلسطينيون ذوي أصول عربية ومهاجرين من شعوب البحر في آن واحد؟ والجواب بمنتهي البساطة: من المثبت تاريخياً أن جزيرة كريت قد شملتها عمليات استيطان بواسطة العرب، حيث أسسوا الحضارة المينوية (Minoans) في كريت، وقد أشارت المصادر والدراسات إلى علاقاتهم باليمن منذ وقت مبكر. يذكر المؤرخ الروماني بليني (Pliny) أن المعينيين قد انتشروا في أرجاء العالم القديم، وربط بعضهم بين المعينيين والمينويين سكان كريت القدامى، وقالوا برابطة دم بين الفريقين.
من الجدير ذكره أيضاً أن الكثير من المدن قد استعمرت يوماً بواسطة الفينيقيين ضمن «الهجرات العربية» القديمة فيما قبل التاريخ التي «امتدت على أفريقيا الشمالية والبلقان وإيطالية وأسبانية، وعرفت بأسماء موجات أقوام البحر المتوسط»، كما صرحت بذلك المراجع الأثرية الحديثة. فقد نزل الفينيقيون في جزيرة كريت وجزر الاسبوارد والكيكلاد [جزر الأرخبيل] على قول توسيديد. ويقدم ف. لينورماند (F. Lenormand) في مؤلفه «أسطورة قدموس والمنشآت الفينيقية في بلاد اليونان»، الإيضاحات التالية: «...انطلاقاً من كريت بعد ذلك للوصول إلى مناطق نفوذهم ومراكزهم التجارية كان أبناء كنعان [الفينيقيون] يتوغلون في بحر إيجة وعلى السواحل اليونانية...». من المحتمل جداً أن بعضهم [الفينيقيين] بعدما اتصلوا طويلاً بالقبائل اليونانية رجعوا ثانية شرقاً إلى موطنهم الأصلي فلسطين، وبغض النظر عن أسماء بلدانهم، فإنا نرى عدداً من أسماء أشخاصهم سامية/جزرية، ومنهم أبيمالك، دليلة، عبيد أيدوم ـ وربما أيضاً أشبي، صاف، جوليات، رفح. ويظهر أن ديانتهم تطبق الأساليب السامية نفسها في تقديس معبودين اثنين ذكر وأنثى، فلداجون آلهة من الأسماك بجانبيه، والأسماء داجون وبلعزبوب آلهة كنعانية [فينيقية] أصلاً، ولا ينفي هذا كون الفلسطينيين لا يمارسون عمليات الختان، فربما أبطلوا إجراءها عندما هاجروا إلى كريت.
نتساءل هنا: ما الذي يجبرنا على أن نجعل من الفلسطينيين شعوباً مختلفة من الوجهة القومية عن شعوب المنطقة؟ فهل هم حقاً غرباء إلى هذا الحد؟ وهل هناك فرق صوتي بين «فينيقيين» و«فلسطينيين»؟ ألسنا هنا، أيضاً الضحايا الراضين بأفكارنا التوراتية المسبقة؟
يؤكد البحاثة الأثري الفرنسي هيلير دو بارانتون (Hilaire de Baranton) في كتابه «الايتروسكيون في غربنا وفي أصولنا الفرنسية» (Les Etrusques en Notre Occident et nos Origines Francaises) ما انتهينا إليه، بقوله: "إنَّ الإيتروسكيين هم فرع من الفينيقيين السوريين، وإن الفلسطينيين هو أحد أسمائهم، ومعنى الإيتروسك في اللغة المصرية القديمة هو «بحارة النيل»، ومعنى الفلسطينيين هو الجنود المحاربون". وزاد الباحث على ذلك فقال عن هؤلاء الفينيقيين السوريين إنهم يحملون أسماء كثيرة مختلفة، وذلك تبعاً لمهنهم أو لعقائدهم، ثم أخذ يعدد هذه الأسماء ومنها «الفلسطينيون» عملاً بمهنتهم الحربية.
في 1980، كتب باحث آخر هو الأستاذ مايكل غرانت (M. Grant) كتاباً عن الإيتروسكيين وكانوا عنده، في خلاصة القول، ينحدرون من أصل كنعاني [فينيقي]. بهذا نكون قد تمكنا من إثبات أن فينيقيا وفلسطيني مسمى واحد لشعب واحد.
* كاتب وباحث فلسطيني

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـصحيفة المنار © 2017
الخارجية السورية: نجدد تحذيرنا من التداعيات الخطيرة للعدوان الاسرائيلي المتكرر الرئيس عباس يعزي الرئيس السيسي ويعرب عن وقوفه إلى جانب مصر في وجه الارهاب الحكومة الفلسطينية تجدد تضامنها مع مصر في مواجهة الإرهاب توقيف مسؤول أمن جنبلاط السابق لتعامله مع «إسرائيل» ألمانيا: الاتفاق مع الأردن بشأن تمركز قوات قتالية بات وشيكا