مكة 31القدس14القاهرة23دمشق17عمان15
22 01/2018

المعركة الغائبة للمقاومة

نشر بتاريخ: 2018-01-11
بقلم: ايهاب شوقي
الرأي العام وكونه محركاً للفعل على الارض، هو حقيقة غائبة حاضرة، تلمع كطيف لتعبر عن قناعة بصحتها ولكنها تختفي كتعبير عن قصور في التعاطي معها. والحقيقة لا تصبح حقيقة سياسية الا اذا تم تفعيل التعامل معها بل وبشكل يليق بخطورتها.
وحري بنا ان نلقي نظرة سريعة على كتاب امريكي لتوضيح ما نريد قوله:
كتاب "ثق بنا نحن خبراء" هو كتاب شارك في تأليفه جون ستوبر وشيلدون رامبتون من مركز الإعلام والديمقراطية، ويبين كيف تتلاعب أغنى وأقوى الشركات في العالم بالرأي العام.
ومن الامثلة الواردة بالكتاب، يصف ستوبر ورامبتون كيف استأجرت صناعة التبغ لأول مرة نجوم السينما للترويج للسجائر ثم أنفقت ملايين الدولارات لمواجهة النتائج التي تشير إلى أن السجائر تسبب السرطان، وهي استراتيجية تستند إلى الشهادات وما يسمى بتقنية الطرف الثالث.
ويوضح الكتاب كيف ان الناس لا يدركون كيفية زراعة معظم قضايا "الحكمة التقليدية" علميا في الوعي العام من قبل آلاف لقطات وسائل الإعلام يوميا.
ويصف الكتاب هنا الحكمة التقليدية بانه إذا كان الجميع يعتقد شيئا، فإنه من المحتمل ان يكون هذا الشيء خطأ. وهو ما يمكن ان نطلق نحن عليه الثوابت والاعراف والموروثات واستبدالها بثوابت جديدة.
ويوضح الكتاب انه وفي الولايات المتحدة، الحكمة التقليدية التي تحظى بقبول جماهيري عادة ما تكون مفتعلة ومدفوعة الاجر. فمثلا:
"المستشفيات آمنة ونظيفة"
"علاج السرطان هو قاب قوسين أو أدنى"
" الأدوية تستعيد الصحة"
"أمريكا لديها أفضل رعاية صحية في العالم"
"التطعيم يجلب الحصانة"...الخ
وربما اهم ما في الكتاب هو القاء الضوء على حقيقة المراكز البحثية والعلمية التي يتم توظيفها لخدمة فكرة "الطرف الثالث" التي وضعها إدوارد بيرنايس كأساس لصناعة العلاقات العامة الوليدة في عشرينيات القرن الماضي والمستمرة في عالم السياسة حتى اليوم.
وهي باختصار ترمي الى ان الطريقة الأكثر فعالية لخلق مصداقية للمنتج أو الفكرة هي تأييد "طرف ثالث مستقل".
وعلى سبيل المثال، إذا كانت شركة جنرال موتورز سوف تخرج وتقول إن "الاحترار العالمي" هو خدعة اخترعها بعض المتحمسين من انصار البيئة، فإن الجمهور سيشك في دوافع جنرال موتورز، لأن ثروة جنرال موتورز تتم عن طريق بيع السيارات.
ومع ذلك، إذا كان هناك معهد بحثي مستقل له اسم موثوق به مثل التحالف العالمي للمناخ يأتي بتقرير علمي يقول إن الاحترار العالمي هو حقا خيال، فإن الجمهور يبدأ في الخلط ويثير الشكوك حول هذه المسألة.
ولمعرفة الية وخطورة ما يحدث وانعكاس ذلك على قضايانا المصيرية فلا بد من التفريق بين الرأي العام والاتجاه العام.
والاتجاه العام هو حالة افتراضية أو متوقعة تعكس دافعا واستعدادا أو ميلا لدى معظم أفراد الجماعة لتبني وجهة نظر لتأييد أو رفض موقف لم يتحدد بعد،  ويشير الاتجاه العام إلى ما توارثه المجتمع من قيم اجتماعية (معتقدات، ميراث ثقافي وحضاري، عادات وتقاليد) تلك القيم أو العوامل تعمل كموجه أو محفز للأفراد في أي مجتمع، وتسهم في نهاية الأمر في تحديد أو تكوين آراء الأفراد بصدد القضايا المتعددة، والاتجاه قد يكون مصدراً أساسياً للرأي، أي أن الرأي قد يقوم جزئياً على الاتجاه و يرتبط به.
اما الرأي العام فهو ذلك التعبير العلني والصريح الذي يعكس وجهة نظر أغلبية الجماعة تجاه قضية معينة في وقت معين.
 وهنا تلعب وسائل الاعلام ومراكز الابحاث على تغيير الاتجاه العام والعبث بالثوابت والاعراف ليتشكل رأي عام مختلف وعلى هوى صناع السياسة.
هنا ومع هذا التكثيف سيصبح هناك لمن اقتنع وتأثر رأي عام فعال ومناقض لميراثه، ويصبح لمن لم يتأثر ويقتنع رأي عام سلبي باطني غير فعال، وهو ربما ما نشهده حاليا في مجتمعاتنا.
نحن نشهد شعوبا تم التلاعب بثوابتها فمنها من تأثر وتم تضليله فتحمس للتضليل وأصبح مدافعا عنه، ومنهم من لم يتأثر، ولكنه احبط وتملكه اليأس وأصبح سلبيا واحتفظ برأيه لنفسه مخافة السير ضد التيار العام المتمثل في تكثيف الدعاية المضادة، وربما هناك نوع ثالث اصيب بالتشوش والبلبلة ولا يستطيع تشكيل رأي فشلت حركته.
والخروج من هذا المأزق يتطلب سلاحا مضادا، لا نقول هنا لتغيير الثوابت بل لاستعادتها.
المطلوب عمل مكثف لاستعادة الثوابت والاعراف والموروثات القيمية واستخدام ادوات مضادة اعلامية وبحثية ودعائية.
وهناك كثيرون يعتبون على معسكر المقاومة انه مقصر في مواجهة الحملات الدعائية التضليلية، وهنا ينبغي ان نلفت النظر لان حجم الامكانات المادية الهائلة التي تتطلبها هكذا حملات تتوافر لدى المعسكر الامريكي الخليجي اكثر من الموارد لدى المقاومة والتي يخصص معظمها للانفاق على السلاح ودعم المقاومين وعوائل الشهداء، اضافة الى الابواب المفتوحة لوسائل التضليل عبر الحكومات وازالة كل الحواجز الامنية والفزاعات التي توجه للمقاومة وتوصد الابواب امامها.
لكن هذا لا يمنع من التركيز على الفكر وعلى الميديا لانه يواجه بشكل وقائي تشكيل بيئات اكثر احتضانا للمشروع الامريكي ويوفر على المدى البعيد كثيرا من الانفاق على التسليح ويوفر مزيدا من الدماء.
نعم المطلوب هو انتشار اوسع لاستعادة موروثات الشعوب القيمية وثوابتها والتي هي بلا شك في مصلحة المقاومة ومنحازة لها واستدعاء لحظات الفخار الوطني ومحطاته في مواجهة الصهاينة والاستعمار وكذلك وهو عامل كيفي هام، ان تتمتع هذه الوسائل بالجذب والتقنيات والخطاب الملائم للجماهير.
ان المقاومة منظومة شاملة وترد الصاع بالصاع، وهي في الميدان لم تبخل بشيء، بل قدمت تضحيات اسطورية.
والمطلوب ان ترد ايضا في هذا الميدان الفكري، وهي بلا شك تمتلك مؤهلاته.
(العهد)
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـصحيفة المنار © 2018
صحيفة سودانية تتحدث عن قمة ثلاثية مرتقبة بين «السيسي والبشير وديسالين» اعتقال عنصر من داعش في فرنسا بتهمة التخطيط لعملية إرهابية ترامب يراسل ملك المغرب: القدس مهمة لليهودية والمسيحية والإسلام تركيا: قصف مدفعي عنيف على مواقع الأكراد في «عفرين» لافروف حول الاستراتيجية الأمريكية: نأسف لاتباع واشنطن نهج المواجهة بدلا من الحوار الطبيعي