2026-03-17 10:39 م

مواقف الأحزاب الألمانية من المشاركة العسكرية في حماية الملاحة بمضيق هرمز

2026-03-17

وعد الرئيس الأمريكي بتقديم مساعدات من الدول الأوروبية لحماية الملاحة عبر مضيق هرمز، وفي ألمانيا يسود التشكيك في هذا الأمر بغض النظر عن الانتماءات الحزبية. رفض أعضاء البرلمان الألماني (البوندستاغ) من أحزاب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU، والحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD، وحزب البديل من أجل ألمانيا AFD، مطالب الحكومة الأمريكية بضرورة قيام السفن الحربية الأوروبية بحماية ناقلات النفط من الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز. ويعكس هذا الموقف قدرا كبيرا من الحذر السياسي داخل ألمانيا تجاه الانخراط العسكري في منطقة الخليج، خاصة في ظل تعقيد الصراع الإقليمي وتداخل مصالح القوى الدولية فيه.

يرى العديد من السياسيين الألمان أن أي مشاركة عسكرية محتملة في هذه المنطقة الحساسة قد تؤدي إلى مخاطر استراتيجية وأمنية كبيرة، ليس فقط بالنسبة لألمانيا، بل أيضا بالنسبة لأوروبا ككل. فمضيق هرمز يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي توتر عسكري فيه ذا تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. ولهذا السبب، فإن النقاش الدائر في ألمانيا لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يشمل أيضا التداعيات الاقتصادية والسياسية التي قد تنجم عن أي تصعيد في المنطقة.

التهديدات والمخاطر
صرح يورغن هاردت، المتحدث باسم الكتلة البرلمانية للاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي CDU/CSU بأن تأمين هذا الممر الضيق لا يمكن أن يتم بواسطة الوحدات البحرية وحدها. فالساحل مكتظ بالسكان، ويمكن لإيران بسهولة شن هجمات منه باستخدام قذائف الهاون أو الطائرات المسيرة. كما أن الجغرافيا الخاصة بالمنطقة تمنح القوات الإيرانية ميزة تكتيكية، إذ يمكن تنفيذ هجمات سريعة ومفاجئة من البر أو من مواقع قريبة من الساحل، وهو ما يزيد من تعقيد أي مهمة عسكرية بحرية تهدف إلى حماية الملاحة الدولية.

وأضاف يورغن هاردت: “السفن وحدها لا تكفي. لم يضع دونالد ترامب هذا الأمر في الحسبان عندما بدأ هذه الحرب ضد إيران بالتعاون مع إسرائيل”. في إشارة إلى الرئيس الأمريكي. وأضاف هاردت أنه، في رأيه، لم يكن ترامب نفسه يعرف كيف يحل هذه المشكلة. “أقترح أن نقبل ببساطة أن الطريق سيظل مغلقا حتى يحدث تغيير ما في إيران”. وهذا يعني إما وقف إطلاق النار أو الإطاحة بالنظام. يعكس هذا التصريح رؤية مقلقة إلى حد ما بشأن إمكانية ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز في ظل استمرار الصراع العسكري والتوترات السياسية في المنطقة. فحتى لو تم نشر قوات بحرية دولية، فإن طبيعة التهديدات غير المتكافئة مثل الطائرات المسيرة والزوارق السريعة والألغام البحرية تجعل من الصعب توفير حماية كاملة للسفن التجارية.

أكد وزير الخارجية يوهان فاديفول أن ألمانيا لن تشارك في عملية عسكرية في مضيق هرمز. ويشير هذا الموقف إلى استمرار السياسة الألمانية التقليدية التي تميل إلى تجنب الانخراط في عمليات عسكرية خارجية معقدة ما لم يكن هناك تفويض دولي واضح أو توافق أوروبي واسع. كما يعكس هذا الموقف إدراكا متزايدا داخل الحكومة الألمانية بأن أي مشاركة عسكرية قد تؤدي إلى تصعيد أكبر في المنطقة وتضع القوات الأوروبية في مواجهة مباشرة مع إيران.

الانتشار الألماني معقد للغاية
يقول خبير السياسة الخارجية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أديس أحمدوفيتش: “إن ترامب أخطأ في حساباته في ظل الوضع الراهن”. وأضاف: “كان من المخطط في البداية أن تكون حربا سريعة وقصيرة، لكننا ندرك الآن أنها ستستمر لأسابيع أخرى”. وأشار إلى أن البحرية الألمانية تتمتع بقدرات ممتازة وإمكانيات خاصة، لكن قدراتها لا تؤهلها للمشاركة في هذا السيناريو المحتمل. أوضح أحمدوفيتش أن العمليات العسكرية في منطقة مضيق هرمز تتطلب قدرات بحرية كبيرة وأنظمة دفاع متقدمة للتعامل مع مجموعة واسعة من التهديدات، بما في ذلك الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة والزوارق السريعة. كما أن مثل هذه العمليات تحتاج إلى تنسيق وثيق بين القوات البحرية والجوية والأنظمة الاستخباراتية، وهو ما يجعل أي مشاركة أوروبية محدودة التأثير ما لم تكن جزءا من تحالف عسكري واسع النطاق.

ذكر أحمدوفيتش أن أهداف واستراتيجيات الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الحرب، التي اعتبرها غير قانونية بموجب القانون الدولي، غير مقنعة. ويعكس هذا التصريح وجود نقاش سياسي وقانوني داخل أوروبا حول شرعية العمليات العسكرية في المنطقة، خاصة إذا لم تكن مدعومة بقرار واضح من مجلس الأمن الدولي. صرحت أليس فايدل، زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا، بأن حتى أكبر قوة بحرية في العالم، وهي البحرية الأمريكية، غير قادرة على ضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز. وفي هذا السياق أكدت أن نشر “البحرية الألمانية الصغيرة حتى في إطار الاتحاد الأوروبي أمر وهمي وخطير للغاية”.

يعكس موقف حزب البديل من أجل ألمانيا توجها أكثر تشددا في رفض أي مشاركة عسكرية ألمانية في الصراعات الخارجية. ويرى الحزب أن مثل هذه العمليات قد تعرض ألمانيا لمخاطر أمنية غير ضرورية وتزيد من احتمال تورطها في نزاعات دولية معقدة. كما يشير الحزب إلى أن قدرات البحرية الألمانية محدودة نسبيا مقارنة بالقوى البحرية الكبرى، وبالتالي فإن أي مساهمة ألمانية في حماية الملاحة في مضيق هرمز ستكون رمزية أكثر منها فعالة من الناحية العسكرية.

يظهر النقاش السياسي في ألمانيا وجود إجماع واسع نسبيا بين الأحزاب المختلفة على ضرورة توخي الحذر في التعامل مع الأزمة في مضيق هرمز. فبينما تعترف جميع الأطراف بأهمية حماية الملاحة الدولية وضمان استقرار أسواق الطاقة، فإنها ترى في الوقت نفسه أن الحل العسكري ليس الخيار الأمثل لتحقيق هذا الهدف. وبدلا من ذلك، يدعو العديد من السياسيين الألمان إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لإيجاد تسوية سياسية للصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران، بما يساهم في خفض التوترات الإقليمية وإعادة فتح الممرات البحرية الحيوية أمام حركة التجارة العالمية.


المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات