2026-06-05 03:13 ص

غزة تغير رؤيتنا للعالم: قراءة في أفكار آفي شلايم وجيلبير الأشقر

2026-06-03

صدر للمؤرخ البريطاني الإسرائيلي آفي شلايم المولود في العراق، والمفكر السياسي جيلبير الأشقر، المولود في السنغال، كتابين عن السياسة التي تتبعها إسرائيل في فلسطين. وهما « الجينوسايد في غزة» لشلايم، و»كارثة غزة» للأشقر. وفي فصول الكتابين إضاءة للأحداث التي سبقت مجريات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما ترتب عليها من تداعيات. يهتم الأشقر في كتابه بالنظرية الجيوسياسة، ويركز شلايم على البحث في الأرشيف ومقارنة استراتيجيات إسرائيل المتغيرة والمتشابهة عبر الزمن. فقد لاحظ وجود أدلة على عداء إسرائيل للسلام. وفي أحد فصول كتابه عن عملية «الرصاص المصبوب» (2008-2009)، يذكر أنه «خدم بإخلاص في الجيش الإسرائيلي في منتصف الستينيات، ولم يشك قط بشرعية دولة إسرائيل داخل حدودها قبل عام 1967». لكن هذا لا يمنع أن أفعالها هي سياسة «إرهاب دولة».

الدبلوماسية والحرب بأدوات مختلفة
يذكر شلايم أن بنزيون نتنياهو والد بنيامين، كان مؤرخا مشهورا عند اليهود الإسبان؛ ومستشارا لزائيف جابوتنسكي مؤسس الصهيونية التحريفية، كما أنه مؤلف نص واسع التأثير بعنوان «على الجدار الحديدي (نحن والعرب)». ويضيف إن هذه القرابة المباشرة بين لحظة تأسيسية ولحظة راهنة تساعدنا على تفسير ما يجري الآن. وفي تقديمها لكتاب «الإبادة الجماعية في غزة»، تتوقف فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، عند البعد التاريخي الذي نغفله غالبا في نقاشاتنا، وتصف حرب غزة بأنها «سياسة» تمت على مراحل وليست «مجرد حادث معزول». ويقود ذلك شلايم ليقول «كي نفهم نظام الفصل العنصري الإسرائيلي الراهن بشكل صحيح علينا أن نضعه في سياق الاستعمار الاستيطاني الصهيوني».
وهذا وحده يساعدنا على رؤية المناورات الإسرائيلية التي تعرقل الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب. فقد أتقنت إسرائيل استخدام الدبلوماسية، لتكون «امتدادا لحربها بوسائل أخرى». ووفقا لرواية شلايم، يخشى القادة الإسرائيليون من اعتدال العرب، لأنه يشكل «تهديدا على خططهم بالتوسع». ومن ثم، كانت الاستراتيجية دائما تصور الآخر العربي على أنه يعادي السلام، ولا يدخل في مفاوضات، ويعمل على تخريب الدبلوماسية في كل المراحل. ويعلن شلايم، من دون تردد، أن جميع رؤساء الوزراء الإسرائيليين التزموا بفكرة إسرائيل الكبرى، ولم يتخلوا قط عن هذا الطموح الإقليمي. وفي ضوء ذلك تبدو المقولة الشهيرة المضحكة للدبلوماسي الإسرائيلي أبا إيبان، إن «العرب لا يوفرون فرصة لهدر فرص متاحة للسلام»، وكأنها جزء من استراتيجية دعائية وليست وصفا للواقع. ويرى شلايم أن الصهيونية في الأصل أكثر من مجرد إنشاء دولة يهودية؛ وهي حركة تاريخية سعت إلى توسيع حدود دولتها قدر الإمكان، «لخفض عدد العرب داخل حدودها». بعبارة أخرى الإبادة الجماعية الحالية هي نتيجة منطقية للطموحات الأولية للصهيونية. وتثبيت لاستراتيجية تغيير الواقع على الأرض. وكان من بنودها عدم رسم حدود لإسرائيل. وهذا واضح من رد إسرائيل على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، الصادر إبان حرب 1967. وسبق لإدوارد سعيد أن ذكر النقطة نفسها عام 2000، ووصف إسرائيل بأنها «الدولة الوحيدة التي لا تملك حدودا رسمية في العالم».

من هذه النقطة يبدأ الأشقر بمتابعة عيوب استراتيجية حماس، ويعتبر أنها ساهمت بدورها في الكارثة المتواصلة. مشيرا إلى التفوق العسكري الإسرائيلي الذي لا نقاش حوله، مبينا أن «الاستراتيجية المعقولة الوحيدة» لحركة مقاومة تكافح مثل هذا العدو هي، «مباشرة أساليب نضالية على أرض يحتل فيها العدو موقعا أخلاقيا أدنى». ويرى الأشقر أن هذه الأرض تتمثل في «النضال الجماهيري السلمي ضد المحتل، الذي برز بأفضل أشكاله في أول انتفاضة، ولاسيما عندما بلغت ذروتها عام 1988». وفي انتقاده لقرارات حماس، لم يتناول بشكل كامل تصاعد وحشية التنكيل الإسرائيلي بالفلسطينيين المحتجين، وذلك في أربعة عقود منصرمة. ففي عام 1988 كانت الدولة الإسرائيلية أقل خبرة في قمع حركة الفلسطينيين. وحاول الفلسطينيون بشجاعة إعادة خلق ظروف أول انتفاضة، لكن القمع الذي أعقب احتجاجات مسيرة العودة الكبرى مثلا عام 2018، وذهب آلاف الضحايا لها، يؤكد أن الظروف اللازمة لأي انتفاضة شعبية سلمية تحتاج لمزيد من التخطيط. وينتقد كل من شلايم والأشقر الأمم المتحدة لأنها وسيط سلام فاشل. ويخص شلايم عملية صنع القرار الخاطئة في الأمم المتحدة، ويتهمها بأنها نتاج عقلية استعمارية سادت في عصور سابقة، وتعود بجذورها إلى عصبة الأمم التي أيدت وعد بلفور خلال الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1922. كما يقر شلايم بأن قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947 «حتم إشعال الحرب بين العرب واليهود». ويلقي الأشقر الضوء على العمى والنفاق اللذين دفعا غالبية الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949 إلى تأييد قرار يزعم أن «إسرائيل دولة محبة للسلام، وتقبل الالتزامات الواردة في الميثاق، وهي قادرة وراغبة على الوفاء بالتزاماتها». وبالنسبة للكاتبين تمثل غزة نقطة تحول غير عكوس.

*أوسلو ثانية؟

أصبحت مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة جولة من جولات الإبادة الجماعية كما وصفها كثيرون، فمع تباطؤ وتيرة حملة الإبادة، لم تتوقف حملة التخريب. وحاليا تواجه المفاوضات الجارية خطر التحول إلى أوسلو ثانية: ومع أن طيفا واسعا ينظر إليها وكأنها اختراق دبلوماسي، أفضت في الواقع إلى طريق مسدود، من دون إحراز أي تقدم. ويشكك الأشقر بهذه الجولة ويعتقد أنها محاولة لإدارة الكارثة من دون إلغاء أسبابها. ومع أن إدارة ترامب تشير بشكل مبهم إلى «حكومة تكنوقراط فلسطينية « لإدارة غزة، لا تزال شروط السلام في جميع أنحاء فلسطين غائبة بالكامل، فالتوسع والاستيطان يجتاح الضفة، وحدود غزة تنكمش على خلفية توسيع المنطقة العازلة. ويبدو اختلال موازين القوى على أشده، وكما يرى الأشقر كلما ازداد التفاوت العسكري بين إسرائيل وفلسطين، أصبح الصراع أقرب إلى الساحة الأخلاقية والسياسية.
غزة في الوقت الحاضر
ولكن على الرغم من أهمية الكتابين لا يخلو الأمر من عيوب هيكلية، حتى إن شلايم يشير إلى أن مقالاته نصوص قديمة لم ينقحها. وجاء كتاب الأشقر بشكل آراء متفرقة عن الحرب، من دون سرد متكامل وبلا «مقدمات عن التاريخ وظروف العالم». ويجوز وصف الكتابين بأنهما مقالات عن أنقاض غزة، وهما إضافة لموجة من الإصدارات المماثلة التي ظهرت عام 2025، ومنها «أن تكون يهوديا بعد تدمير غزة « لبيتر بينار، و»العالم بعد غزة: تاريخ موجز» لبانكاج ميشرا، و»ما بعد الوحشية: غزة، والإبادة الجماعية، ووهم الحضارة الغربية» لحامد دبشي. ولكن كل هذه الإصدارات تصور واقع الإبادة، وكأنه ذكرى من الماضي، ويتضح ذلك من ظرف الزمان الوارد في العناوين ـ استعمال كلمة بعد. غير أن شلايم والأشقر لم يسقطا في هذه الحفرة، وتكلما عن الموضوع بصيغة الحاضر. الأمر الذي أضاف للنقاش المزيد من الراهنية والمسؤولية – من دون الخروج من منطقة الراحة والتردد. وبطريقة ما ساعدهما ذلك على كشف عبثية مفاوضات السلام المزيفة، وما يرافقها من نهب للأرض. ناهيك من توضيح حالة الشك في المؤسسات الدولية المجوفة والفارغة من الأخلاق، التي تحرس النظام الدولي الجائر. ولهذا السبب حرص كلاهما على التنقيب في مكان آخر: مثل الاحتجاجات الشعبية، والتعبئة الجماهيرية، والعصيان المدني.

*كاتبة أمريكية
** كاتب ومترجم سوري