كشف قيادي في حركة فتح، فضل عدم الكشف عن اسمه، خلال حديث مع "الترا فلسطين"، تطورات النقاشات الداخلية في أطر التنظيم والأقاليم واللجنة المركزية فيما يخصّ رواتب الأسرى والشهداء والجرحى التي باتت ضمن اختصاص المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي التي يرأسها أمين عام جبهة النضال الشعبي أحمد مجدلاني، بقرار من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بعدما أكّدت المؤسسة أنها "لا تقوم، ولن تقوم، بصرف أي دفعات مالية لعائلات الأسرى أو الشهداء أو الجرحى استنادًا إلى أي تشريعات أو أنظمة سابقة".
وجاء بيان مؤسسة "تمكين" في 18 كانون الأول/ديسمبر الجاري، ردًا على وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الذي تحدث عن استمرار السلطة في دفع رواتب الأسرى وعائلات الشهداء، وقال البيان إن "نتائج البحث الاجتماعي الشامل بينت أن عددًا كبيرًا من العائلات التي كانت تستفيد سابقًا من المخصصات لا تنطبق عليها معايير الاستحقاق المنصوص عليها في القرار بقانون رقم (4) لسنة 2025، وعليه لن تتلقى هذه العائلات أي مخصصات اجتماعية من المؤسسة". كما أكد البيان على أن "نظام الدفعات المرتبط بعدد سنوات السجن قد أُلغي بشكل كامل ونهائي، ولم يعد معمولًا به بأي شكل من الأشكال".
ما سبق، استدعى اجتماعًا للجنة المركزية لحركة "فتح" لمناقشة تطورات قضية الأسرى وتداعياتها السياسية والتنظيمية. وبحسب القيادي في الحركة فقد جاء الاجتماع في ظلّ حالة من القلق المتصاعد داخل أطر الحركة إزاء طريقة إدارة الملف، وما يرافقها من ردود فعل غاضبة في الشارع الفلسطيني.
وانعقدت اللجنة المركزية من دون حضور رئيس حركة فتح محمود عباس، وكذلك في ظلّ غياب عضو اللجنة، نائب الرئيس الفلسطيني، حسين الشيخ، الذي كان في زيارة للعاصمة الأردنية عمّان. فيما وُصفت الجلسة بـ"المتخبّطة"، وسادها توتر واضح وخلافات حادة بين الأعضاء حول طبيعة المعالجة السياسية والتنظيمية لقضية الأسرى.
وخلال الجلسة، رفع عضو اللجنة المركزية توفيق الطيراوي صوته معترضًا على سياسة مؤسسة "تمكين"، التي يرأسها عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني، داعيًا بقية الأعضاء إلى اتخاذ مواقف علنية مماثلة، ورفض ما اعتبره نهجًا يمس بجوهر القضية الوطنية ومكانة الأسرى.
وكان الطيراوي قد أصدر بيانًا وصف فيه تعامل "تمكين" مع قضية الأسرى بمنطق "الحالات الاجتماعية واستبيانات المسح المشينة"، معتبرًا أن ذلك يُعد "مساسًا خطيرًا بالكرامة الوطنية وتشويهًا واضحًا لتضحيات الأسرى"، فيما صدر بيان آخر في اليوم التالي من رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحرّرين رائد أبو الحمص الذي قال عن بيان "تمكين" إنه حمل "خطورة غير مسبوقة، ووقاحة وصلت الى حد الادعاء بأن عددًا كبيرًا ممن كانوا يتلقون مخصصات ليسوا بحاجتها"، وأضاف: "كفى لعنجهيتكم، أنتم مسستم بأقدس شريحة فلسطينية لولا نضالاتها وتضحياتها لما كنت أنت الآن على ما أنت عليه". متهمًا رئيس مجلس تمكين بالتنصل من الاتفاقيات.
وفي ختام اجتماع اللجنة المركزية، رفعت اللجنة توصياتها ومحضر الجلسة إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، محذّرة من أن حركة "فتح"، تخسر قاعدتها الشعبية في الشارع الفلسطيني، إذا استمر التعاطي مع قضية الأسرى بهذا الشكل، الذي يجري فيه التعامل معها كملف "شؤون اجتماعية"، بدلًا من كونها قضية نضالية وطنية.
كما ناقشت اللجنة رسائل وردتها من اللجنة العليا للأسرى المبعدين إلى مصر من حركة "فتح"، وأكدت الرسائل أن الخلل الأول في قضية رواتب الأسرى يقع على عاتق الرئيس محمود عباس، مع الدعوة إلى إعادة النظر جذريًا في آلية التعامل مع هذا الملف. وجاء في الرسائل تساؤل مباشر: "إذا خضعتم للشروط الخارجية المتعلقة بمخصصات الأسرى، فكيف ستطالبون بالدولة والأرض ووقف الاستيطان؟".
وبحسب القيادي الذي تحدث لـ"الترا فلسطين"، شدّد المحررون في رسائلهم على أن الأسرى "خط أحمر؛ لأنهم حملوا القضية الفلسطينية على أكتافهم، ولا يمكن القبول بالمساس بهم من أي جهة كانت". مؤكدين أن "إسرائيل لن تقبل بأي تنازلات فلسطينية"، وأنها ماضية في استهداف كل ما هو فلسطيني، بغض النظر عن حجم التنازل أو طبيعته، وبصرف النظر عن التوجه السياسي إن كان من حماس أو فتح.
وحذّرت الرسائل من أن عدم إحراز تقدم خلال أسبوع في ملف مخصصات الأسرى سيقود إلى تصعيد إعلامي واسع، وأن المبعدين قد يضّطرون إلى عقد مؤتمر صحفي يضم نحو 15 أسيرًا محررًا من مختلف المحافظات، لتحميل الرئيس الفلسطيني محمود عباس مسؤولية تحويل قضية الأسرى من قضية نضالية وطنية إلى "شؤون اجتماعية".
في موازاة ذلك، أوضح القيادي في فتح لـ"الترا فلسطين"، أن هيئة شؤون الأسرى والمحررين كثّفت اتصالاتها مع مختلف المكوّنات الفلسطينية، بما في ذلك النقابات والمنظمات الشعبية، بهدف إصدار مواقف رافضة لسياسة مؤسسة "تمكين"، خاصة في ظل عدم حصول أقاليم حركة "فتح" على ضوء أخضر رسمي لإعلان مواقف معارضة لإدارة المؤسسة لملفات الأسرى والشهداء والجرحى.
وأوضح المصدر أن ثمّة أطروحات حلّ تُتداول في الكواليس عبر قنوات تواصل بين قيادة حركة "فتح" ومؤسسات الأسرى المعنية، إضافة إلى شخصيات مقرّبة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، غير أن هذه الطروحات لم تفضِ حتى الآن إلى أي تقدم عملي أو خطوات ملموسة على الأرض.
ولفت المصدر إلى أنّ جبهة النضال الشعبي تواصلت مع قيادة حركة "فتح" ومع الأسرى المحررين، معتبرة أنه لا يمكن تحميل أمينها العام أحمد مجدلاني المسؤولية المباشرة عمّا تقوم به مؤسسة "تمكين"، على اعتبار أن المؤسسة تعمل وفق تعليمات تصدر عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
ووفق المصدر، فإن تصعيد الخطاب الإعلامي ضد أحمد مجدلاني يهدف إلى الضغط عليه للتراجع عن رئاسة مؤسسة "تمكين"، إضافة إلى توجيه رسالة ردع لأي شخصية قد تفكر مستقبلًا في تولي رئاسة المؤسسة في ظل السياسة الحالية.
وفي السياق ذاته، علم "الترا فلسطين" أن هناك محاولات لتسوية أجزاء من هذا الملف، عبر بحث تفريغ بعض المحررين على مؤسسات السلطة وإحالتهم إلى التقاعد ليستمرّوا في الحصول على رواتب، مع استثناء أسرى حركة حماس من هذه الإجراءات، مما قد يدفع إلى مزيد من التعقيد في هذا الملف، الذي يوصف حاليًا بأنه "الأكثر حساسية في السياسة الفلسطينية الداخلية".

