2026-06-12 03:49 م

لقاء أمني سري يجمع الإمارات وإيران لأول مرة

2026-06-12

كشفت وكالة “بلومبيرغ” عن انعقاد أول لقاء مباشر بين مسؤولين كبار في أجهزة الأمن القومي بدولة الإمارات وإيران منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران، في خطوة تعكس تحولا لافتا في العلاقات بين البلدين بعد أشهر من التصعيد العسكري والتوترات الإقليمية.

ونقلت الوكالة الخميس عن مصادر مطلعة أن الاجتماع عقد هذا الأسبوع، ويمثل انعطافة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، في ظل إدراك متزايد لدى الجانبين لأهمية الحفاظ على قنوات التواصل وتجنب مزيد من التصعيد.

وبحسب المصادر، فإن الإمارات تسعى إلى حماية مشاريعها الاقتصادية الطموحة، بما في ذلك استثمارات بمليارات الدولارات في قطاع النفط ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، فيما تنظر إيران إلى أبو ظبي باعتبارها أحد أهم شركائها التجاريين في المنطقة وقناة مهمة لتصدير النفط الإيراني رغم العقوبات.

وأكدت المصادر أن الدافع الرئيسي وراء التواصل الإماراتي الأخير يتمثل في رغبة أبو ظبي في التوصل إلى تهدئة مع النظام الإيراني، الذي تعتبره خصما استراتيجيا، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن إسقاطه أو تغييره لم يعد خيارا واقعيا.

وأشارت بلومبيرغ إلى أن الحرب التي اندلعت أواخر شباط/ فبراير الماضي شهدت تعرض الإمارات لأكبر عدد من الهجمات الإيرانية مقارنة بدول المنطقة الأخرى، فيما ردت أبو ظبي بسلسلة من الضربات العسكرية واتخذت موقفا أكثر تشددا من معظم جيرانها العرب تجاه طهران.

لكن التطورات اللاحقة دفعت الإمارات إلى تبني نهج مشابه لكل من السعودية وقطر، اللتين تعرضتا أيضا لهجمات إيرانية مباشرة أو عبر حلفاء طهران، قبل أن تتجها إلى المسار الدبلوماسي سعيا لخفض التوتر.

وذكرت الوكالة أن السعودية استأنفت اتصالاتها الرسمية مع إيران على مستوى وزراء الخارجية مطلع نيسان/ أبريل الماضي، بينما كانت قطر الأكثر اندفاعا نحو التقارب، حيث استضافت وفدا إيرانيا أواخر الشهر الماضي، كما لعبت دورا متناميا في الوساطة بين واشنطن وطهران.

وترى الدول الخليجية الثلاث، وفقا للمصادر، أن التعايش مع إيران بات ضرورة استراتيجية بحكم موقعها الجغرافي وحجمها السكاني الذي يتجاوز 90 مليون نسمة، فضلا عن قدراتها العسكرية، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بها جراء القصف الأمريكي والإسرائيلي.

وأضاف التقرير أن الهجمات الإيرانية شكلت تهديدا مباشرا لطموحات الإمارات الاقتصادية، لا سيما في دبي وأبو ظبي اللتين تسعيان إلى تعزيز مكانتهما كمركزين عالميين للمال والاستثمار، حيث تضررت قطاعات السياحة والطاقة بشكل ملحوظ نتيجة الحرب.

وكشفت المصادر أن الاجتماع الأخير جاء بعد سلسلة محاولات إيرانية لإعادة فتح قنوات الحوار مع الإمارات، إلا أن أبو ظبي فضلت التريث للتأكد من أن المسؤولين الإيرانيين المشاركين في التواصل يتمتعون بنفوذ حقيقي وعلاقات مباشرة مع المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي وقيادة الحرس الثوري الإيراني.

وأشارت بلومبيرغ إلى أن عددا من كبار القادة الإيرانيين، بمن فيهم المرشد السابق علي خامنئي، قتلوا خلال الحرب، ما أدى إلى حالة من الغموض بشأن مراكز صنع القرار داخل الجمهورية الإسلامية.

ولفتت الوكالة إلى أن الاتصال العلني الوحيد المعروف بين الجانبين خلال الأشهر الماضية تمثل في مكالمة هاتفية جرت منتصف نيسان/ أبريل بين نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، حيث ناقشا سبل خفض التوتر في المنطقة.

وأضافت أن زيارة ولي عهد أبو ظبي الشيخ خالد بن محمد إلى الصين ولقاءه الرئيس الصيني شي جين بينغ ساهمت في فتح قناة تواصل جديدة بين أبو ظبي وطهران.

وفي تعليق على التحرك الإماراتي، قال مسؤول إماراتي لبلومبيرغ إن سياسة بلاده الخارجية "تقوم على تشجيع خفض التصعيد وتقليل التوترات في الشرق الأوسط، مع تعزيز السلام والاستقرار الدائمين".

وأضاف أن الإمارات تدعم الجهود الإقليمية والدولية، بما فيها المساعي الأمريكية، لحماية شعوب المنطقة من تداعيات الصراع المستمر.

ورأت الوكالة أن الاجتماع الأخير يعكس تحولا إضافيا في موقف الإمارات، خاصة بعد مشاركة الرئيس الإماراتي محمد بن زايد إلى جانب قادة السعودية وقطر في مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أواخر أيار/ مايو الماضي بمنح المسار التفاوضي مع إيران فرصة جديدة وعدم العودة إلى الحرب الشاملة.
ووفقا للتقرير، أطلقت إيران منذ بداية الحرب نحو ثلاثة آلاف صاروخ وطائرة مسيرة باتجاه الإمارات، جرى اعتراض معظمها عبر منظومات دفاعية متطورة بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاحتلال الإسرائيلي.

ورغم ذلك، أسفرت الهجمات عن مقتل 13 شخصا وإلحاق أضرار بمليارات الدولارات في منشآت نفطية وموانئ وفنادق، إضافة إلى استهداف محطة براكة النووية غرب أبو ظبي عبر فصائل عراقية موالية لطهران.

وأوضحت بلومبيرغ أن هذه الهجمات دفعت الإمارات في البداية إلى تبني موقف متشدد، كما حاولت إقناع السعودية وقطر بتشكيل جبهة خليجية موحدة للرد على إيران، إلا أن هذه الجهود لم تنجح.

لكن استمرار إغلاق مضيق هرمز، وهشاشة وقف إطلاق النار، وتعثر المفاوضات الأمريكية الإيرانية، كلها عوامل دفعت أبو ظبي إلى إعادة حساباتها والتركيز على تقليل الأضرار الاقتصادية والأمنية.

وأشارت المصادر إلى وجود مؤشرات أولية على نجاح هذا النهج، إذ لم تسجل أي هجمات إيرانية جديدة على الإمارات منذ استهداف محطة براكة النووية، في وقت وجهت فيه طهران هجماتها مؤخرا نحو الكويت والبحرين والأردن.

وفي المقابل، لا تزال الإمارات تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع إيران، رغم إغلاقها عددا من المؤسسات التعليمية والطبية والاجتماعية المرتبطة بالجمهورية الإسلامية، إضافة إلى إلغاء إقامات بعض المواطنين الإيرانيين، بينما تستضيف مئات الآلاف منهم على أراضيها.

من جهته، أكد المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور قرقاش في مناسبات عدة أن الثقة بين بلاده وإيران تعرضت لضرر كبير، مشددا على أن أي انفتاح جديد يتطلب إعادة فتح مضيق هرمز دون شروط، ودفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالإمارات.

كما شدد قرقاش على أن أي اتفاق أمريكي إيراني مستقبلي يجب أن يتناول البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية وشبكات الفصائل المسلحة المدعومة من طهران في المنطقة.

وختمت بلومبيرغ تقريرها بالإشارة إلى أن إدارة ترامب تبدو أكثر تركيزا على الملف النووي الإيراني، فيما تتراجع احتمالات إدراج ملف الصواريخ الباليستية والفصائل الحليفة لطهران ضمن أي اتفاق سلام محتمل بين واشنطن وطهران.
عربي 21