2026-06-26 11:32 م

"إسرائيل" في أزمة شرعية والقيادة الفلسطينية في أزمة رؤية

2026-06-26

بقلم: سمير حمدان
ليست المفارقة الأهم في الشرق الأوسط اليوم أن إسرائيل تواجه واحدة من أعمق أزماتها الأخلاقية والسياسية منذ تأسيسها، بل أن الفلسطينيين يقفون أمام هذه اللحظة التاريخية وكأنها حدث عابر لا نقطة تحول، فبينما تتآكل صورة إسرائيل في قطاعات متزايدة من الرأي العام العالمي، وتتقدم لغة القانون الدولي وحقوق الإنسان إلى قلب النقاش في الجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات الحقوقية الغربية، تبدو القيادة الفلسطينية عاجزة عن إدراك أن ما يتغير ليس المزاج، بل قواعد اللعبة نفسها.

على مدى عقود، لم تكن قوة إسرائيل عسكرية فقط، بل سردية أيضاً، نجحت في تسويق نفسها كجزء من العالم الشرعي، وكدولة تدعي احترام القانون وتقدم عنفها بوصفه دفاعاً عن النفس داخل منظومة قيم غربية، وكانت هذه السردية سلاحاً موازياً للطائرات والدبابات، تمنحها غطاءً سياسياً وتخفض كلفة استخدام القوة، لكن الحرب الأخيرة كشفت عن تصدع عميق في هذا الغطاء، فالفجوة بين ما تفعله إسرائيل وما تدعيه أصبحت أوسع من أن تجسر بالدعاية أو بشبكات النفوذ التقليدية، والنتيجة أن إسرائيل بدأت تخسر أهم ما راكمته منذ عقود، القدرة على احتكار تعريف نفسها أمام العالم.

الأهم أن هذا التحول لم يعد محصوراً في مواقف الحكومات، بل انتقل إلى داخل المجتمعات الغربية نفسها، فجيل جديد ينظر إلى الصراع من زاوية الحقوق والعدالة الإنسانية أكثر مما يراه من خلال السرديات التقليدية، وفي الجامعات والمنابر الحقوقية المستقلة تتعرض الرواية الإسرائيلية لاختبار أخلاقي غير مسبوق، وتطرح أسئلة كان مجرد طرحها قبل سنوات قليلة يعد استفزازاً سياسياً، ما جعل معركة الشرعية جزءاً أساسياً من موازين القوة في الصراع.

مع ذلك، فإن تراجع شرعية الخصم لا يتحول تلقائياً إلى انتصار للطرف الآخر، فالسياسة الدولية لا تكافئ المظلوم تلقائياً، بل تكافئ الطرف القادر على تحويل التعاطف إلى نفوذ، والفرص إلى مؤسسات، والزخم الأخلاقي إلى مكاسب سياسية قابلة للتراكم، وهنا تحديداً تنكشف المعضلة الفلسطينية في أكثر صورها قسوة، لحظة تراجع في شرعية إسرائيل تقابلها لحظة عجز فلسطيني عن إنتاج رؤية واستراتيجية توازي حجم التحول.

في الوقت الذي تتزايد فيه عزلة إسرائيل النسبية في بعض الدوائر الدولية، لا يمتلك الفلسطينيون مشروعاً سياسياً موحداً يعكس هذا المتغير، فلا توجد قيادة جامعة، ولا رؤية استراتيجية متفق عليها، ولا خطة واضحة لاستثمار التغيرات التي تشهدها الساحات القانونية والدبلوماسية والإعلامية، وبينما يتحرك العالم بسرعة، يبقى النظام السياسي الفلسطيني أسير أزمات الشرعية والانقسام وتآكل الثقة الشعبية، وكأن الزمن متوقف عند مؤسسات وخطابات لم تعد قادرة على إنتاج مشروع وطني حديث.

وربما كانت المفارقة الأكثر قسوة أن جزءاً مهماً من التقدم الذي حققته القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة لم يكن نتيجة عمل منظم للمؤسسات السياسية الفلسطينية، بل ثمرة جهود ناشطين وأكاديميين وصحفيين وحركات تضامن حول العالم، وبمعنى آخر، نجحت القضية في توسيع حضورها الأخلاقي عالمياً أكثر مما نجحت مؤسساتها في توسيع نفوذها السياسي، وهي فجوة خطرة لأن التعاطف وحده لا ينتج نتائج دبلوماسية ما لم يجد أمامه شريكاً سياسياً يمتلك تصوراً واضحاً لما يريد وكيف يصل إليه.

المشكلة الأعمق أن الفلسطينيين يقتربون من أي مرحلة تفاوضية مقبلة من دون إعادة تعريف جاد لمشروعهم الوطني، فالسؤال لم يعد فقط كيف يمكن إنهاء الاحتلال، بل كيف يمكن تحويل التحولات الدولية الراهنة إلى عناصر قوة داخل أي مسار سياسي مستقبلي، ومن دون إجابة واضحة عن هذا السؤال قد يتحول أكبر تراجع في صورة إسرائيل الدولية منذ عقود إلى فرصة ضائعة أخرى تضاف إلى سجل طويل من اللحظات التي لم تستثمر.

لهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الفلسطينيين اليوم لا يقتصر على مواجهة الاحتلال، بل يمتد إلى إعادة بناء السياسة نفسها، وإعادة تعريف المشروع الوطني، وتجديد الشرعية، وإنتاج قيادة تفهم أن المعركة لم تعد على الأرض فقط، بل على معنى الأرض وحق أصحابها في رواية مستقبلهم، فإسرائيل تعيش أزمة شرعية لا يحسمها السلاح، والفلسطينيون يعيشون أزمة رؤية لا يحسمها التعاطف، وإذا استمرت البنية السياسية الفلسطينية على ما هي عليه، فإن أكبر تراجع في شرعية إسرائيل منذ قيامها قد يتحول في النهاية إلى دليل مزدوج، على مأزق كيان فقد قدرته على إقناع العالم، وعلى مأزق حركة تحرر لم تنجح بعد في تحويل عدالتها الأخلاقية إلى مشروع سياسي قادر على الانتصار.