2026-07-21 05:28 م

إذا كان أوسلو قد مات... فمن يحكم فلسطين؟

2026-07-21

بقلم: غسان جابر

منذ سنوات، يتسابق الجميع لإعلان وفاة اتفاق أوسلو.

فصائل تلعنه.

سياسيون يعلنون سقوطه.

محللون يؤكدون أنه أصبح من الماضي.

والشارع الفلسطيني يكاد يُجمع على أنه اتفاق فشل في تحقيق الدولة، وفشل في وقف الاستيطان، وفشل في حماية القدس، وفشل في إعادة اللاجئين، وفشل في إنهاء الاحتلال.

حسناً...

إذا كان أوسلو قد مات فعلاً، فلماذا لا نملك الجرأة على التصرف وكأنه مات؟

هذا هو السؤال الذي يهرب منه الجميع.

فالحقيقة التي لا يحب أحد الحديث عنها هي أن اتفاق أوسلو لم يكن مجرد مصافحة في البيت الأبيض، بل كان الوثيقة التي أنشأت السلطة الفلسطينية، وحددت شكل الحكم الذاتي الانتقالي، ونصت على انتخاب مجلس تشريعي ورئيس للسلطة الفلسطينية، باعتبار ذلك جزءاً من مرحلة انتقالية كان يفترض أن تنتهي خلال خمس سنوات.

خمس سنوات...

وليس ثلاثين عاماً.

ثلاثون عاماً مرت، ولم تُحسم القدس.

ولم تُحسم الحدود.

ولم تُحل قضية اللاجئين.

ولم يتوقف الاستيطان.

ولم تولد الدولة الفلسطينية.

المرحلة الانتقالية انتهت زمنياً، لكنها بقيت سياسياً، وكأن الزمن الفلسطيني توقف في عام 1999.

إسرائيل لم تتعامل مع أوسلو باعتباره طريقاً لإنهاء الاحتلال، بل باعتباره فرصة لإدارة الاحتلال بأقل كلفة سياسية. وكلما طال الوقت، تمدد الاستيطان، وتقلصت مساحة الأرض المتاحة لأي تسوية مستقبلية.

لكن الاحتلال لم يكن وحده مسؤولاً عن هذا المشهد.

فالانقسام الفلسطيني حوّل المشروع الوطني إلى مشروعين، والسلطة الواحدة إلى سلطتين، والقرار الوطني إلى قرارات متنازعة، فأصبح من السهل على إسرائيل أن تقول للعالم: مع من نتفاوض؟

ثم جاء المجتمع الدولي ليكتفي بإدارة الأزمة بدلاً من حلها، حتى أصبحت عبارة "حل الدولتين" تتكرر في المؤتمرات أكثر مما تقترب من الواقع.

لكن دعونا نذهب إلى السؤال الذي لم يطرحه أحد بصراحة:

إذا كان اتفاق أوسلو قد انتهى فعلاً...

فما هو الأساس السياسي والقانوني الذي ستُجرى على أساسه الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة؟

أليست الانتخابات، كما عرفها النظام السياسي الفلسطيني، جزءاً من ترتيبات المرحلة الانتقالية التي أنشأها أوسلو؟

وإذا كانت المرجعية لم تعد أوسلو، فما المرجعية الجديدة؟

هل لدينا عقد سياسي جديد؟

هل لدينا دستور دائم؟

هل اتفقت الفصائل على نظام سياسي بديل؟

أم أننا نعيش على مؤسسات وُلدت في مرحلة انتقالية، بينما نعلن كل يوم أن تلك المرحلة انتهت؟

هذه الأسئلة ليست دفاعاً عن أوسلو، بل مواجهة مع واقع سياسي يتجنب الجميع الإجابة عنه.

فلا يمكن أن نعلن وفاة الاتفاق في الخطابات، ثم نستند إلى مؤسساته عندما تخدمنا.

ولا يمكن أن نرفض المرجعية السياسية، ثم نتمسك بنتائجها الإدارية.

ولا يمكن أن نستمر في تأجيل الأسئلة الكبرى، لأن التاريخ لا ينتظر أحداً.

لقد تحول أوسلو من اتفاق مؤقت إلى حالة سياسية دائمة، ليس لأنه نجح، بل لأن أحداً لم يجرؤ على بناء البديل.

وهنا تكمن المأساة.

لسنا أمام أزمة اتفاق...

بل أمام أزمة مشروع وطني.

نقول:

قد لا يكون أخطر ما في أوسلو أنه فشل.

الأخطر أننا لم نتفق حتى اليوم على ما يأتي بعده.

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق أي حديث عن الانتخابات ليس: متى سننتخب؟

بل:

أي نظام سياسي سننتخب له؟

وأي مرجعية ستحكم نتائج تلك الانتخابات؟

وإذا كان أوسلو قد مات فعلاً...

فمن يملك الشجاعة ليعلن ولادة الجمهورية الفلسطينية السياسية الجديدة؟

أما إذا كنا لا نملك هذا الجواب، فلنعترف بشيء واحد:

المشكلة لم تعد في أوسلو... بل في عجزنا عن إنتاج بديل وطني يجمع الفلسطينيين، ويمنحهم شرعية جديدة، ورؤية جديدة، ومستقبلاً لا يعيش على اتفاق انتهت مدته قبل سبعة وعشرين عاماً، وما زلنا جميعاً نتصرف وكأنه لم ينتهِ بعد.