بقلم: ناريمان عواد
بينما تزداد حمى التحضيرات للعملية الانتخابية، استعدادًا للاستحقاق الانتخابي المقرر في ٢٨/١١ لانتخاب أعضاء المجلس التشريعي، تتوارد أسئلة مشروعة حول قدرتنا على إجراء هذه الانتخابات في موعدها، في ظل ظروف سياسية وميدانية بالغة التعقيد.
فالمشهد الفلسطيني اليوم لا يشبه أي مرحلة انتخابية عادية. ففي القدس، تستمر دولة الاحتلال في إجراءات الحصار والتضييق على المدينة المقدسة وأهلها، فيما تتصاعد اعتداءات المستوطنين في المدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية، بالتزامن مع تداعيات حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث ما تزال المأساة الإنسانية تتفاقم، بعد عدوان طويل خلّف عشرات الآلاف من الضحايا والجرحى، ودفع مئات الآلاف إلى فقدان منازلهم ومصادر رزقهم، ليجدوا أنفسهم في مواجهة قسوة النزوح وغياب أبسط مقومات الحياة من غذاء وماء وكهرباء وخدمات أساسية.
وفي خضم هذا الواقع، يشتد ضجيج الاجتماعات التنظيمية، وتتردد من هنا وهناك أحاديث وتسريبات حول احتمال تأجيل الانتخابات. كما طُرحت ملاحظات جدية بشأن الخلافات التي تعصف داخل الأطر التنظيمية، فيما جرت محاولات لمعالجة الاعتراضات واحتواء الخلافات من خلال التوافقات وتوزيع المواقع التنظيمية داخل اللجنة المركزية
لكن، رغم ذلك، ما تزال النقاشات والحوارات حاضرة بقوة في المؤتمرات الفتحاوية، ويبرز السؤال الأهم: أي انتخابات نريد؟ وأي قائمة نريد أن نخوض بها هذه الانتخابات؟
هل نريد قائمة فتح الرسمية فقط؟ أم نفتح أبواب الحوار والنقاش أمام مختلف التيارات والآراء داخل الحركة، بما فيها التيارات التي ابتعدت أو اختلفت مع القيادة التنظيمية في مراحل سابقة؟
إن التحديثات الصادرة عن قرارات المجلس الثوري تشير إلى أن فتح تتجه نحو قائمة وطنية عريضة تضم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية. وهي خطوة مهمة، لكنها في تقديري تحتاج إلى رؤية أوسع؛ لأن الوطن، في ظل ما يمر به من جراح وانقسامات وتحديات في مختلف ساحاته، يحتاج اليوم إلى أكثر من مجرد قائمة انتخابية. إنه يحتاج إلى مصالحة سياسية ووطنية حقيقية.
نحن بحاجة إلى فتح أبواب الحوار مع مختلف أطياف فتح، ومع القوى السياسية والوطنية الأخرى، وأن نعمل على صياغة مساحة مشتركة تتجاوز الخلافات، وتعيد الاعتبار لفكرة الوحدة الوطنية باعتبارها شرطًا أساسيًا لمواجهة المرحلة القادمة.
وقد نشهد، إذا ما توفرت الإرادة السياسية، قائمة وطنية شاملة تضم مختلف الأطياف والتيارات، بما فيها المختلفون والمعارضون. وهذه ليست نقطة ضعف، بل يمكن أن تكون مصدر قوة إذا تحولت الاختلافات إلى حوار، والتباينات إلى شراكة، والخلافات إلى برنامج سياسي وطني جامع.
وهنا لا بد من الإشارة إلى مساحة الحوار التي عفدت في دولة مصر الشقيقة ، والتي نأمل أن تستمر وتتسع، وصولًا إلى توافق حقيقي يؤهلنا لخوض الانتخابات بقوة ووحدة، ويعيد للمواطن الفلسطيني ثقته بأن العملية الانتخابية ليست مجرد تنافس على المقاعد، وإنما وسيلة لبناء مؤسسات وطنية أكثر قوة وقدرة على مواجهة التحديات.
فالمواطن الفلسطيني الذي يتطلع إلى رفعة وطنه ومكانته السياسية، يريد في الوقت ذاته حلولًا لمشكلاته اليومية. يريد راتبًا يستطيع أن يعيش به، واقتصادًا أكثر قدرة على الصمود، وفرص عمل لأبنائه، وحياة كريمة لأسرته. وهو يعيش اليوم تحت وطأة ظروف اقتصادية صعبة، وأزمات متراكمة، فيما تتواصل إجراءات الاحتلال على الأرض من مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وشق الطرق الالتفافية، وإقامة الحواجز التي تحوّل الطريق بين البيت والعمل أو المدرسة والجامعة إلى ساعات طويلة من الانتظار والمعاناة.
ومن هنا، فإن الانتخابات التي نريدها يجب ألا تكون مجرد استحقاق دستوري أو مناسبة لتشكيل القوائم، بل فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة السياسية، وتجديد الحياة السياسية الفلسطينية، وإفساح المجال أمام الشباب والمرأة والكفاءات الوطنية للمشاركة الفاعلة في صناعة القرار.
إن فلسطين اليوم بحاجة إلى وحدة سياسية حقيقية، لا إلى مزيد من الانقسام. وفتح، بما تمثله من ثقل تاريخي ووطني، تحتاج قبل أي شيء إلى أن تكون موحدة وقادرة على استيعاب اختلافاتها الداخلية، لأن الحركة الموحدة أكثر قدرة على مواجهة المشروع الاستيطاني والإحلالي الذي يستهدف الأرض والإنسان والهوية.
ونريد انتخابات تعكس إرادة الشعب الفلسطيني، وتفتح الباب أمام التجديد والديمقراطية والشراكة، وتمنح المواطن شعورًا بأن صوته قادر على إحداث التغيير.
فالمرحلة القادمة ليست مرحلة حسابات ضيقة، وإنما مرحلة مواجهة مصيرية. وكلما اتسعت دائرة الوحدة الوطنية، تعززت قدرتنا على حماية مشروعنا الوطني، وترسيخ مكانة فلسطين على الساحة الدولية، وتعزيز الأمل في تجسيد دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس
كاتبة فلسطينية

