2026-07-25 11:30 ص

هل أصبحت أزمة التمثيل الفلسطيني أخطر من الاحتلال ؟

2026-07-24

بقلم: سمير حمدان
لم تكشف أحداث قرية تل طبيعة الاحتلال الإسرائيلي، فهذه حقيقة يعرفها الفلسطينيون والعالم منذ عقود، لكنها كشفت تحولاً أكثر عمقاً داخل الساحة الفلسطينية، إذ لم يعد الخلاف يدور حول إدانة الاعتداءات أو توصيفها، بل حول كيفية قراءتها، ومن يملك حق تعريف المصلحة الوطنية، وأي نهج يمثل الفلسطينيين في مواجهة مرحلة تتداخل فيها المقاومة، والسياسة، والشرعية، وإدارة الحياة تحت الاحتلال، وعندما تنتقل المعركة من مواجهة الخصم إلى الاختلاف حول تفسير الواقع، فإن الأزمة لا تبقى أمنية أو ميدانية، بل تصبح أزمة مشروع وطني يفتقد إلى رؤية جامعة تحظى بثقة المجتمع .

عقب الأحداث، أكد الدكتور أحمد الطيبي أن ما جرى بدأ باقتحام مستوطنين مسلحين للقرية، وأن الدفاع عن النفس، والبيت، والأرض، حق طبيعي تكفله القوانين والأعراف الدولية، وفي المقابل سبق لوزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون أن حذر في أكثر من مناسبة من عنف المستوطنين، معتبراً أنه يهدد سيادة القانون ويقوض مؤسسات الدولة الإسرائيلية، أما تصريح جمال نزال، المتحدث باسم حركة فتح، حول ضرورة «سد الذرائع»، فقد أثار نقاشاً فلسطينياً واسعاً، إذ رأى منتقدوه أنه ركز على تجنب رد الفعل الإسرائيلي أكثر من معالجة أصل الاعتداء، بينما اعتبره مؤيدوه محاولة للحد من الخسائر البشرية في ظل اختلال واضح في ميزان القوة، وبين هذه المواقف برز سؤال يتجاوز تفاصيل الحادثة، وهو ما الدور الذي يفترض أن تؤديه القيادة الوطنية في لحظة تتراجع فيها القدرة على إنتاج موقف جامع .

هذا السؤال ليس وليد قرية تل، بل هو نتيجة مسار سياسي امتد منذ إنشاء السلطة الفلسطينية، حين انتقل مركز الثقل تدريجياً من منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها إطاراً لحركة تحرر وطني إلى سلطة تدير شؤون مجتمع ما زال يعيش تحت الاحتلال، ومع مرور الوقت تقدمت الأولويات الإدارية والاقتصادية والأمنية على النقاش المتعلق بالاستراتيجية الوطنية، وأصبحت إدارة الواقع أكثر حضوراً من التفكير في تغييره، بينما تراجع البحث في إعادة بناء المشروع الوطني على أسس سياسية ومؤسساتية أكثر تمثيلاً .

وتشير استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية خلال السنوات الأخيرة إلى استمرار تراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية، وارتفاع المطالبة بإجراء انتخابات وتجديد القيادة، كما توثق تقارير الأمم المتحدة ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية تصاعد التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، وعندما تتزامن الضغوط الخارجية مع تراجع الثقة الداخلية، فإن الأزمة تتجاوز حدود الاحتلال لتصبح أزمة تمثيل وشرعية أيضاً، لأن الشرعية لا تستمد قوتها من النصوص القانونية وحدها، بل من قدرة المؤسسات على إقناع مجتمعها بأنها تعبر عن أولوياته، وتحظى بثقته، وتملك رؤية للمستقبل .

ومن هذا المنطلق، فإن أي انتخابات مقبلة، إذا أُجريت، لن تكون مجرد استحقاق دستوري أو منافسة على توزيع المقاعد، بل اختباراً لقدرة النظام السياسي على استعادة الثقة العامة، كما تواجه حركة فتح تحدياً يتمثل في تجديد خطابها السياسي، وإعادة بناء صلتها بمجتمع تغيرت أولوياته وتجددت تطلعاته، وفي الوقت نفسه تقف منظمة التحرير الفلسطينية أمام استحقاق تاريخي يتعلق باستعادة دورها ممثلاً وطنياً جامعاً للفلسطينيين، بينما تبقى السلطة الفلسطينية مطالبة بإثبات أن مؤسساتها تعمل في خدمة المشروع الوطني، لا أن يصبح المشروع الوطني مبرراً لاستمرار المؤسسات .

وتقدم تجارب حركات التحرر في جنوب أفريقيا والجزائر درساً بالغ الأهمية، فشرعية التاريخ لا تكفي لضمان شرعية المستقبل، والمؤسسات التي تتوقف عن التجدد تفقد تدريجياً قدرتها على تمثيل المجتمع مهما كان رصيدها النضالي، لأن شرعية التحرر لا تُصان بالذاكرة وحدها، بل تتجدد من خلال المشاركة السياسية، وتجديد المؤسسات، والقدرة على الاستجابة لتحولات المجتمع، وهو ما يجعل المراجعة الوطنية ضرورة استراتيجية لا خياراً يمكن تأجيله .

لقد أثبت التاريخ أن الاحتلال يستطيع فرض وقائع جديدة على الأرض، لكنه يعجز عن فرض تعريف الشعوب لهويتها أو لمشروعها الوطني، أما التحدي الحقيقي الذي يواجه الفلسطينيين اليوم فلا يقتصر على إنهاء الاحتلال، بل يمتد إلى استعادة الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وإعادة بناء تمثيل وطني يعكس إرادة الفلسطينيين، ويجمع طاقاتهم حول رؤية مشتركة، لأن قوة أي حركة تحرر لا تقاس بعدالة قضيتها وحدها، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج قيادة تحظى بالشرعية، ومؤسسات تواكب التحولات، ومشروع وطني يوحد المجتمع قبل أن يواجه خصومه، فهل ما زال الوقت متاحاً لاستعادة هذا المشروع قبل أن يصبح الخلاف على تمثيله أحد أخطر التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية ؟