2026-08-04 12:18 ص

الدولة أم المستوطنون... الصراع على احتكار الإرهاب في إسرائيل

2026-08-03

بقلم: أحمد الجندي
لم يكن إعلان الجيش الإسرائيلي توسيع عملياته ضدّ ما يسمّيه "الإرهاب الفلسطيني" عقب عمليات طعن في شمال الضفة الغربية المحتلة، ثم مقتل مستوطنين في قرية تِل (جنوب غربي نابلس) تبين لاحقاً أنهما عسكريان، أمراً جديداً مخالفاً لما اعتادته المؤسسة الأمنية الإسرائيلية منذ عقود. لكن اللافت أنّ رئيس مجلس مستوطنات شمالي الضفة، يوسي داغان، اعتبر أنّ الرد الحقيقي على ما حدث لا يكمن في تعزيز انتشار الجيش فحسب، بل في إقامة مستوطنة جديدة وتسريع البناء في الضفة.
وبين موقف الجيش وحديث داغان، يتكشّف أحد أهم النقاشات التي تشهدها إسرائيل اليوم، وهو نقاش لا يدور حول ضرورة استخدام القوّة ضد الفلسطينيين، وهي محلّ إجماع إسرائيلي، وإنّما حول أسئلة أكثر أهميةً تتعلّق بمَن يملك حق تحديد السياسة في الضفة الغربية: الدولة ومؤسّساتها الأمنية أم العصابات الاستيطانية؟ وهل ما زالت الدولة تحتكر العنف، أم أنّ المشروع الاستيطاني الذي سمّاه المستوطنون "الثورة"، ويستهدف "محو التجمّعات الفلسطينية" (بحسب تعبير بتسلئيل سموتريتش)، هو ما يفرض أولوياته على دولة الاحتلال ويجرّها إلى مواجهات تخدم أهدافها العقائدية؟ (كما كتب الباحث في مركز ديان بجامعة تل أبيب، ميخائيل ميلشتاين، في صحيفة يديعوت أحرونوت في 26 يوليو/تمّوز الماضي). وقد اكتسبت هذه الأسئلة زخماً كبيراً بعد الأحداث أخيراً، وعلى وقع اقتراب انتخابات الكنيست، إذ بدا أنّنا أمام عدّة روايات متوازية يؤدي كلٌّ منها دوره في إكمال صورة إسرائيل على حقيقتها.
تقول الرواية العسكرية إنّ الفلسطينيين الذين نفّذوا العمليات في الضفة لم يكونوا أعضاء في تنظيمات عسكرية مُقاوِمة، وعلى الرغم من ذلك نشر الجيش قوات كبيرة في الضفة، وأعلن عمليةً واسعةً في مدنها ضد ما سمّاه بـ"الإرهاب". غير أنّ نشاط الجيش لم يقتصر على محاولة منع العمليات التي ينفذها الفلسطينيون رداً على اعتداءات المستوطنين، بل امتد إلى فتح طرق وتأمينها في شمال الضفة، تمهيداً لاستيعاب المستوطنين في البؤر الاستيطانية الجديدة، وفقاً لتقرير نشرته "يديعوت أحرونوت" في 23 يوليو. وهو ما يجعل الجيش شريكاً أساسياً في توسيع الاستيطان.

أمّا الرواية الثانية، وتمثّلها الصهيونية الدينية، فلا تعتبر البؤر الاستيطانية وتوسيع المستوطنات عبئاً على الأمن، بل تعتبرها "ثورة" هي أساس الأمن نفسه. ومن هذا المنطلق، لم يكن تصريح داغان تعبيراً عاطفياً عابراً، بل تلخيصاً لعقيدة سياسية تقلب الحقائق، بحيث يُبرَّأ الاستيطان، فيصبح ردة فعل على العمليات الفلسطينية، وليس العكس، حتّى إن أثبتت تجارب الماضي أنّه يجري برعاية الدولة والجيش، ولم يكن في حاجة إلى أيّ مبرّرات. ويرى مؤيّدو هذه الرؤية أنّ تثبيت السيطرة على الأرض وتوسيع الاستيطان هما الردّان الحقيقيان على العمليات التي ينفّذها الفلسطينيون، وليس فتح أبواب النقاش. ويعني هذا أنّ الخلاف بين المؤسسة الأمنية والتيار الديني القومي يتعلق بتعريف كل منهما معنى الأمن. فبينما تعرّفه المؤسسة العسكرية بوصفه قدرة الدولة على إحباط العمليات وتحقيق الاستقرار والردع، تعتبره الصهيونية الدينية مشروعاً لإعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا في الضفة، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة الاحتكاك مع الفلسطينيين أو فتح جبهات جديدة في توقيت لا تختاره المؤسسة العسكرية. وهكذا، لا يعود الجيش في نظر منتقدي هذه السياسة مَن يحدّد متى تبدأ المواجهة ومتى تنتهي، بل يصبح منفذاً لسياسات يفرضها مشروع استيطاني لديه أولويات تختلف عن أولويات المؤسسة الأمنية نفسها.
ثمّة رواية ثالثة، يمثّلها معارضون وباحثون وعسكريون سابقون، لا تختلف عن الرواية العسكرية في ضرورة ملاحقة "الإرهاب الفلسطيني"، وإن اختلف أصحابها في تفسيرهم للبيئة المنتجة للعنف، والاعتقاد أنّ العمليات أخيراً نتاج مباشر للاحتكاكات اليومية المتفاقمة بين المستوطنين والفلسطينيين. فاقتحام القرى الفلسطينية، وإقامة البؤر الاستيطانية الجديدة، وازدياد الاعتداءات التي ينفّذها مستوطنون برعاية وزراء في الحكومة، كلّها عوامل تدفع فلسطينيين إلى تنفيذ عمليات لم يخطّطوا لها. وبالتالي، يضطر الجيش إلى ضخّ مزيد من القوّات في الضفّة، من دون أن يعالج أسباب وقوع هذه العمليات، فضلاً عن فتح جبهة جديدة أمام إسرائيل في وقت تتعاظم فيه التهديدات الخارجية.
وعلاوة على ذلك، يرى بعض أنصار هذه الرواية، مثل ميلشتاين، أنّ الحلول التي تطرحها الصهيونية الدينية، التيّار الأكثر دفعاً نحو توسيع الاستيطان في الضفة والتخلّص من السلطة الفلسطينية، لا تستند إلى تقدير عسكري، وإنّما إلى مشروع عقائدي يسعى إلى فرض وقائعَ جديدة في الضفّة، بغضّ النظر عن آثارها على إسرائيل. وفي السياق نفسه، كانت دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (إبريل/ نيسان الماضي)، عن سياسة إسرائيل في الضفة، قد حذّرت من افتقار السياسة الإسرائيلية إلى استراتيجية متماسكة، وأكدت أنّ الجمع بين توسيع الاستيطان، وإضعاف السلطة الفلسطينية، واستمرار السيطرة العسكرية من دون أفق سياسي، يزيد احتمالات الاحتكاك المباشر بين المستوطنين والفلسطينيين، ويضع إسرائيل أمام واقع تتآكل فيه قدرتها على إدارة الصراع بصورة مستقرّة. ولم تكن الدراسة تدعو إلى إنهاء السيطرة الأمنية، لكنّها نبّهت إلى أنّ تغليب الاعتبارات الأيديولوجية على الحسابات الاستراتيجية يكلّف إسرائيل أثماناً متزايدة.
كذلك، لا يدعو قادة المعارضة، وإن كانوا مؤيدين لأكثر تفاصيل هذه الرؤية، إلى تقليص العمليات العسكرية في الضفّة، أو إلى وقف سياسة الاغتيالات والاعتقالات، أو إلى إعادة النظر في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، بل إنّ حزب الديمقراطيين الذي تشكّل في إثر اندماج حزبَي اليسار (العمل وميرتس) اللذَين كان بعضهم يتوهّم أنّهما الصوت العاقل في إسرائيل، اعتبر ما فعله الفلسطينيون في قرية تلّ "إرهاباً فلسطينياً"، وهو ما جاء على لسان زعيمه، يائير غولان، خلال تدشينه الحملة الانتخابية للحزب. وعلى هذا الأساس، جرى التشديد على ضرورة مواصلة الضغط العسكري على الفلسطينيين، وتكثيف العمليات الاستباقية، والحفاظ على حرّية عمل الجيش داخل مدن الضفة.
غير أنّ هذا الموقف، وفي إطار الصراع السياسي، لم يمنع بعض قادة المعارضة من انتقاد الحكومة، باعتبار أنّ سياساتها تضرّ بأمن إسرائيل. وفي هذا السياق، قالت عضوُ الكنيست عن حزب الديمقراطيين، نعمة لازيمي، إنّ ما تقوم به الحكومة يجعل إسرائيل في صدام مستمرّ يخدم مشروع بن غفير وسموتريتش المسيحاني أكثر ممّا يخدم الأمن القومي، وإنّ حزبها لن يسمح بحماية "الإرهاب اليهودي الذي ترتكبه مجموعات شبيبة التلال".

وهنا تبرز واحدة من أكثر المفارقات إثارة في الخطاب الإسرائيلي الراهن، إذ يستخدم بعض قادة المعارضة مصطلح "الإرهاب اليهودي" أو "إرهاب المستوطنين"، لكنّهم لا يدعون إلى التعامل معه بالأدوات ذاتها التي تعتمدها الدولة مع ما تصفه بـ"الإرهاب الفلسطيني". فلا أحد من قادة المعارضة يطالب بالقضاء على منفّذي الاعتداءات من المستوطنين أو هدم منازلهم أو فرض حصار على مستوطناتهم أو اقتحامها على غرار ما يحدث في جنين ونابلس وطولكرم. ويظلّ التعامل مع المستوطنين محكوماً بقانون يتسامح معهم، فلا يخرجهم من دائرة المواطنة، ولا يفرض عليهم عقوبةً، ولا ينزع منهم صفات الإنسانية، على عكس ما يحدث مع الفلسطينيين من قتل أو هدم بيوت أو سجن، حتّى لو كانوا في دائرة الاشتباه. وتكشف هذه الازدواجية، وكذلك اتفاق المؤسسة الأمنية والمستوطنين والمعارضة على شكل التعامل مع منفّذي العمليات الفلسطينيين بالاعتقال أو القتل أو غيرهما، أنّ جوهر الجدال لا يدور حول رفض استخدام العنف ضدّ الفلسطينيين، وإنّما حول من يحتكر ممارسته، ومن يمتلك سلطة توقيته وأهدافه وحدوده: الدولة أم المستوطنون؟
ويكتسب هذا الجدال بعداً إضافياً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، إذ يسعى التيّار الديني القومي إلى تحويل الضفة إلى ساحة لتعبئة الناخبين اليمينيين عبر فرض وقائع ميدانية جديدة تتمثّل في توسيع المستوطنات أو في إضعاف السلطة الفلسطينية أو في الدفع نحو خطوات ضمّ تدريجية. وفي المقابل، تحاول المعارضة إقناع الجمهور بأنّها قادرة على الحفاظ على الحسم الأمني ضد الفلسطينيين، ولكن من دون السماح للمستوطنين أو لقياداتهم الأيديولوجية بإملاء جدول أعمال الدولة أو جرّها إلى معارك جديدة، وأن تكون الدولة وحدها هي التي يحتكر العنف.
تبقى هنا ملاحظتان. الأولى: أنّ سكوت المؤسّسات الأمنية على إرهاب المستوطنين، وإجراءات الجيش في تأمين الطرق المؤدّية إلى البؤر الاستيطانية الجديدة لاستيعاب مزيد من المستوطنين، وعدم اتخاذ إجراءات لوقف "إرهاب المستوطنين" واعتداءاتهم، يعني موافقة ضمنية على ما يقومون به، ويعطي انطباعاً بعدم رفض العنف الذي يمارسونه، وقبول مشاركتهم في توفير الأمن لطرق الضفّة ومستوطناتها. وفي مقابل ذلك، تتعامل الصهيونية الدينية مع الدولة بوصفها أداةً لتحقيق مشروع استيطاني أوسع، وترى أنّ شرعية هذا المشروع تخوّلها دفع الجيش والحكومة إلى تبنّي سياسات أكثر راديكالية. الملاحظة الثانية، ترتبط بالمفارقة الأهم، أنّ النقاش الذي تشهده إسرائيل لم يكن يوماً بين دعاة حرب وأنصار سلام، ولا بين مؤيّدين للعنف ومعارضين له، وإنّما بين رؤيتَين صهيونيتَين تتفقان على شرعية استخدام الإرهاب ضدّ الفلسطينيين، وتختلفان، إلى حدّ ما، على من يحتكر قرارَ استخدامه.