2026-08-24 11:31 م

التمثيل القليل لا يبرر التنازل الكبير

2026-08-24

بقلم: طاهر تيسير المصري

 الانتخابات تكشف كثيراً مما تخفيه الخطابات السياسية. فهي تضع المواقف المعلنة أمام اختبار عملي، وتبيّن إن كان الاعتراض يقوم على مبدأ ثابت، أم أنه يتراجع عندما تتغير الحسابات وتصبح فرصة الحضور والتمثيل أقرب.

ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن النظر إلى موقف بعض القوى اليسارية والديمقراطية من الشرط السياسي الذي ظهر أولا في القرار بقانون المنظم للانتخابات المحلية، ثم انتقل لاحقا إلى القرار بقانون المنظم للانتخابات العامة.
بدأت المسألة مع صدور القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية، الذي أضاف إلى شروط الترشح التزاماً سياسياً يتعلق ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والتزاماتها الدولية وقرارات الشرعية الدولية. وقد أثار هذا الشرط اعتراض عدد من القوى اليسارية والديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني، باعتباره قيداً على حق الترشح ومساساً بالتعددية السياسية. ورفعت بعض هذه القوى سقف موقفها إلى حد اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا والطعن بعدم دستورية عدد من أحكام القرار بقانون، وفي مقدمتها المواد المتعلقة بهذا الشرط.
لم يكن الاعتراض في تلك المرحلة هامشياً أو متعلقاً بصياغة لغوية. الخطاب المعلن كان يقوم على رفض فرض شرط سياسي مسبق على المرشح، وعلى أن حق المشاركة والترشح لا يجوز إخضاعه لمدى التزام المواطن ببرنامج سياسي بعينه. ووصل الموقف إلى التحذير من أن يتحول ما ورد في الانتخابات المحلية إلى سابقة يجري نقلها لاحقاً إلى الانتخابات العامة وقانون الأحزاب.
في 27 كانون الثاني 2026 صدر القرار بقانون رقم (3) لسنة 2026 معدلا للقرار بقانون رقم (23) لسنة 2025. حُذفت من النص عبارة "التزامات منظمة التحرير الدولية"، لكن الشرط السياسي نفسه لم يختفِ؛ إذ بقي المرشح ملزماً بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني، وبقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
كان التعديل، إذاً، جزئياً. تغيرت الصياغة، لكن بقي أصل المسألة التي انطلق منها الاعتراض؛ اشتراط التزام المرشح ببرنامج سياسي محدد حتى يكون مؤهلاً للترشح.
مع ذلك، تعاملت القوى والشخصيات التي وقفت خلف الطعن، بعد التعديل، مع ما جرى باعتباره تراجعاً عن "الشرط السياسي الإقصائي" وإنجازاً سياسياً تحقق بفعل الاعتراض والضغط، رغم أن جوهر الشرط بقي قائماً.
وبعد ذلك لم يستمر المسار القضائي الأول حتى صدور حكم في دستورية النص، بل تقدم وكيل الطاعنين بطلب ترك الدعوى، وهو ما أثبتته المحكمة الدستورية العليا لاحقاً في حكمها في الدعوى الدستورية ذاتها.
وهنا تبرز المسألة التي تستحق النقاش. فما كان يُقدم قبل التعديل باعتباره دفاعاً عن التعددية وحق المواطن في الترشح، جرى التعامل معه بعد تعديل جزئي باعتباره قد عولج، مع أن الالتزام ببرنامج المنظمة السياسي والوطني بقي جزءاً صريحاً من شروط الترشح.
والأهم أن التحذير من انتقال هذا النهج إلى الانتخابات العامة لم يبقَ مجرد احتمال. ففي حزيران 2026 أُدرج الشرط نفسه في القرار بقانون رقم (10) لسنة 2026 المعدل للقرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة. ثم صدر في آب 2026 القرار بقانون رقم (17) لسنة 2026، الذي ألغى تعديل حزيران في عدد من جوانبه، لكنه أبقى صراحة على اشتراط التزام المرشح بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيداً للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
بذلك أصبحت السابقة التي حُذِّر منها عند مناقشة الانتخابات المحلية جزءاً فعلياً من شروط الترشح للمجلس التشريعي. وهذا التطور يجعل الموقف السابق أكثر أهمية، لأن المسألة لم تعد محصورة في انتخابات مجالس محلية، بل انتقلت إلى الانتخابات التي يفترض أن تشكل السلطة التشريعية وتحدد التوازنات السياسية على المستوى الوطني.
الإشكال هنا ليس في المكانة التاريخية والوطنية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولا في ضرورة الحفاظ عليها إطاراً وطنياً جامعاً وممثلاً للشعب الفلسطيني. بل إن حماية هذه المكانة تقتضي، في الأصل، عدم اختزال المنظمة في برنامج سياسي محدد يُشترط قبوله لممارسة حق انتخابي.
هناك فرق بين الالتزام بالقواعد الدستورية والقانونية التي تنظم التنافس وبين الالتزام ببرنامج سياسي. القواعد تحدد كيف يجري الاختلاف، أما البرامج فهي موضوع الاختلاف نفسه. والانتخابات لا تُجرى لإثبات اتفاق المرشحين مسبقاً على اتجاه سياسي واحد، وإنما لكي يختار الناس بين اتجاهات وبرامج مختلفة.
وحين يصبح الالتزام ببرنامج سياسي شرطاً سابقاً للترشح، تضيق مساحة الاختيار قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع. ويصبح التنافس محصوراً داخل سقف سياسي جرى تحديده مسبقاً، بدلاً من أن يكون هذا السقف نفسه خاضعاً للنقاش والتنافس والاختيار الشعبي.
الديمقراطية لا تفترض اتفاقاً مسبقاً على الإجابات، وإنما اتفاقاً على القواعد التي تسمح بالاختلاف حولها. ومن هنا فإن المسألة تتجاوز النقاش القانوني حول صلاحية واضع التشريع، وتمس وظيفة الانتخابات نفسها وحق المواطن في أن يختار بين برامج واتجاهات سياسية متباينة.
وفي هذا السياق تصبح مسؤولية القوى التي اعترضت على الشرط ثم أنهت مواجهتها القانونية معه أكثر وضوحاً. فإذا كان الاعتراض في الأصل يتعلق بحق عام وبمبدأ التعددية، فإن بقاء جوهر الشرط كان يفترض بقاء الاعتراض عليه، بصرف النظر عن أي تعديلات أخرى حسّنت فرص المشاركة أو التمثيل.
وهذا أكثر حساسية بالنسبة لقوى تقدم نفسها بوصفها يسارية وديمقراطية، وبعضها يستخدم خطاباً ثورياً ويضع الدفاع عن حقوق الأفراد والفئات المهمشة في صلب أدبياته. فحق الفرد في الترشح وحرية اختياره السياسي لا يمكن الدفاع عنهما عندما يتوافقان مع مصلحة التنظيم، ثم التراجع عنهما عندما تصبح الأولوية لضمان موقع داخل العملية الانتخابية. الحقوق العامة لا تتحول إلى حقوق قابلة للتفاوض تبعاً لحسابات الأحزاب.

ومن يعترض على تضييق المجال السياسي ثم يتعايش معه بعد أن أصبح له موطئ قدم داخله، لا يكون قد عالج المشكلة، بل يكون قد وجد لنفسه مكاناً ضمن حدودها. عندها يصبح من الصعب النظر إلى الاعتراض السابق باعتباره خلافاً على المبدأ وحده، ويغدو أقرب إلى خلاف على شروط المشاركة وحجم الحضور داخل المشهد.
وهذا النقد لا ينتقص من منظمة التحرير الفلسطينية، بل ينطلق من ضرورة الحفاظ على معناها كإطار وطني جامع. فالمنظمة أكبر من أي برنامج سياسي مرحلي، وأوسع من أي خيار تفاوضي أو سياسي بعينه. وقوتها لا تأتي من تحصين برنامج من المنافسة، وإنما من قدرتها على استيعاب التعدد الفلسطيني وتجديد شرعيتها من خلاله.
حماية المنظمة لا تكون بإغلاق مساحة الاختلاف باسمها، بل بإبقائها إطاراً قادراً على جمع المختلفين. والشرعية الوطنية لا تقوى عندما تُحمى من التنافس السياسي، بل عندما تكون قادرة على استيعابه من دون أن تفقد مكانتها الجامعة.
لهذا لا تُقاس جدية القوى السياسية بحدة خطابها عندما تعترض، بل بمدى تمسكها بما أعلنته عندما تتغير الظروف وتصبح المشاركة ممكنة. فإذا كان المبدأ قابلا للتراجع بمجرد تحسن شروط الحضور، فإن ما جرى الدفاع عنه لم يعد حقاً عاماً بالمعنى الكامل، بل أصبح جزءاً من تفاوض على شروط التمثيل.
التمثيل القليل لا يبرر التنازل الكبير. فالانتخابات إما أن تفتح المجال لتنافس سياسي حقيقي بين برامج واتجاهات مختلفة، وإما أن تصبح المنافسة محصورة داخل حدود جرى تقريرها قبل أن يقول الناس كلمتهم.