2026-11-05 07:50 م

بين غياب السيادة وتغلغل الفساد-كيف يخترق الاستيطان قلب المدن الفلسطينية؟!

2026-11-05

عاشت مدينة أريحا ومناطق فلسطينية أخرى في الضفة الغربية صدمة مضاعفة، بعدما استيقظ سكانها الأربعاء على مشاهد سيطرة ثماني عائلات من المستوطنين على ثمانية منازل وفلل فلسطينية، بزعم أنها اشترتها من مواطنين فلسطينيين.
وأظهر الفيديو الذي نشره المستوطنون الذين سيطروا على المنازل عملية التخطيط للاستيلاء عليها، حيث وصفوا العملية بأنها سرية، وأن التحضير لها جرى منذ فترة طويلة.
وأظهر الفيديو أن المنازل التي اشتراها المستوطنون، وفق روايتهم، تقع بمحاذاة مدينة أريحا، وتحديدًا في منطقة ديوك التحتا، فيما أظهرت الصور أن المنطقة مليئة بالفلل والمساكن.
وفي الفيديو، الذي صُوّر باحترافية عالية وتضمّن لقطات جوية التُقطت بواسطة طائرة مسيّرة “درون”، ظهرت مستوطنة تقول: “من سنتين نحلم بهذه اللحظة”. وردّ عليها مستوطن: “لقد عملنا بسرية تامة، ووصلنا إلى المنازل كما خططنا له”.
وجاءت العائلات التي سكنت المنازل الثمانية من مستوطنة “متسبية أريحا” القريبة.
وفي الفيديو نفسه، الذي وثّق التخطيط وعملية السيطرة على المنازل، ظهرت مستوطنة تقول: “هذا نوع من السحر.. لقد حلّت بركة كبيرة هنا.. لم نكن نتوقع أن ننجح ونصل إلى هذه النتيجة”.
وردّد مستوطن خلال اقتحام منزل ثانٍ: “يا له من منزل جميل.. لقد حصلتم عليه”.

وفي نهاية الفيديو، ظهرت مستوطنة تقول: “هذا ليس بفضل قوتنا.. هذا بفضل قوة أريحا.. فهي تجذب الناس إليها، وهذا يُحدث أثرًا كبيرًا هنا”.

رواية المجلس الاستيطاني
وادّعى المجلس الإقليمي الاستيطاني “بنيامين”، الذي يضم رام الله وأريحا، أمس، أن المنازل “اشتُريت بثمنها كاملًا”، فيما أكد الجيش الإسرائيلي أن دخول المستوطنين إليها جرى من دون تنسيق.
وزعم المجلس أيضًا أن المستوطنين دخلوا المنازل وسط إجراءات أمنية وتحت “غطاء من السرية”. ويقع الحي الفلسطيني في أراضٍ تصنّفها إسرائيل “أراضي دولة”، ولذلك لم يكن بإمكان المستوطنين شراء ملكيتها من فلسطينيين. وأعلن الجيش الإسرائيلي أن دخولهم جرى من دون تنسيق.
وتحمل مدينة أريحا التصنيف “أ”، لكن الأحياء المستهدفة بالسيطرة الاستيطانية تحمل التصنيف “ج”، وهي من أملاك خزينة المملكة الأردنية الهاشمية.
ويقع الحي أيضًا بالقرب من الموقع الأثري المعروف باسم “قصور الحشمونيين”، وهو مجمع أثري تاريخي يعود إلى فترة الهيكل الثاني، ويقع في السهل الغربي لوادي أريحا، وتحديدًا في تُلول أبو العلايق قرب مدخل وادي القلط، على مقربة من قرية الديوك التحتا غرب المدينة.
وتقع المنطقة أيضًا بالقرب من مزرعة تحمل اسم “ديا”، جرت تسوية وضعها القانوني في تموز / يوليو الماضي، بقرار من المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت)، إلى جانب 103 مستوطنات أخرى.

محافظ أريحا: خلية أزمة
وفي أول رد رسمي، شدد محافظ أريحا والأغوار، حسين حمايل، على أن الجهات الرسمية الفلسطينية شكّلت خلية أزمة للتحقيق في استيلاء مستوطنين على المنازل.
وشكك محافظ أريحا في حجم الخطوة، قائلًا: “ثلاثة منازل فقط، وليس ثمانية”. فيما تعمل السلطة الفلسطينية على التحقق من الأمر.
وقال حمايل في حديث صحافي مساء أمس: “هناك خلية أزمة تم تشكيلها قبل ساعة من الآن، وهي الآن في حالة انعقاد في المحافظة، ويجري خلالها الحديث وجمع البيانات عن هذا الموضوع”.
وأضاف: “البيوت التي تم الاستيلاء عليها من قبل هذه العصابات هي ثلاثة بيوت، وليست ثمانية بيوت. إلى هذه اللحظة، توجد مجموعة من الأسماء ومجموعة من التقارير والقضايا التي سيتم التأكد من بياناتها، وسيكون هناك بيان رسمي واضح في هذا الجانب”.

وقال: “أنا أؤكد لكم أن هذه الأرض التي استولوا عليها هي أرض حكومية، كانت سابقًا تابعة لخزينة المملكة الأردنية الهاشمية”.
وأضاف: “لدينا مجموعة من الإجراءات التي تم اتخاذها خلال العام الماضي والعام الذي سبقه بخصوص هذه الأراضي.. لا نريد أن نستعجل في إصدار أي تصريح صحافي، لأن كل المعلومات المتداولة على المواقع الإخبارية مصدرها إسرائيلي”.

دعوات إلى تفكيك اتفاقيات أوسلو
وبحسب ما ورد في وسائل الإعلام العبرية، فإن شركة “نحلة”، وبدعم من مجلس بنيامين، قامت بشراء المنازل الثمانية.
وصرّح يسرائيل غانتس، رئيس مجلس مستوطنات منطقة بنيامين: “إننا نُفكك اتفاقيات أوسلو عمليًا، إننا نعود إلى ديارنا”.

وصرّحت القيادية في النشاط الاستيطاني، دانييل فايس: “اليوم نخطو خطوة كبيرة نحو تجديد الاستيطان اليهودي في المدن اليهودية”.
وتابعت: “الرسالة التي يرغب قادة الحركة في إيصالها واضحة: تفكيك إرث أوسلو من خلال تجديد الاستيطان. في أريحا تحديدًا، التي كانت رمزًا للانسحاب والتنازل، يريدون فتح صفحة جديدة من العودة والبناء. فإلى جانب قصور الحشمونيين، التي عانت من الدمار والنهب، تدخل العائلات اليهودية الآن لبناء حياتها”.
وأضاف غانتس: “أريحا هي بوابة شعب إسرائيل إلى أرضهم. في اتفاقيات أوسلو، تخلّت إسرائيل عنها، وما زلنا ندفع ثمن هذا التخلي حتى يومنا هذا. اليوم، بدأنا في تغيير مسارنا”.

التفكجي
ورأى خليل التفكجي، خبير شؤون الاستيطان، أن السياسة الإسرائيلية تجاه المدن الفلسطينية تقوم على تطويقها بالمستوطنات الإسرائيلية، قائلًا: “فما حدث في جنين ورام الله يشبه ما حدث لنابلس، وها هو يحدث الآن لأريحا”.
وأوضح في حديث صحافي خاص لـ”القدس العربي” أن أريحا، على سبيل المثال، محاطة من جميع الجهات بالمستوطنات الإسرائيلية، سواء تلك التي أُنشئت في فترات سابقة أو التي ستُنشأ في المستقبل.
وتابع: “إذا نظرنا إلى الخريطة، نجد أن أريحا تقع في واحة محاطة من الشمال بمستوطنات إسرائيلية، منها مستوطنة “نعمة” و”نفيوت يريحو”، ومن الناحية الشرقية توجد مجموعة من المستوطنات الإسرائيلية، منها “بيت هعرابا”، ومنها المستوطنة التي يجري إنشاؤها تحت اسم “جنوب دير حجلة”، وصودِر 1600 دونم بوصفها أملاك دولة”.

أما من الناحية الجنوبية، فبحسب التفكجي، تقع مستوطنة “الموغ”، فيما توجد من الناحية الغربية سلسلة جبلية ومجموعة من المناطق العسكرية، وبالتالي اكتملت عملية تطويق أريحا.
ورأى التفكجي أن الخطوة الثانية تتمثل في عملية الاختراق، التي تحدث عن طريق ربط هذه المستوطنات بعضها ببعض. وهو ما يمكن رؤيته وفهمه من خلال استيلاء المستوطنين أمس على المنازل في منطقة ديوك التحتا، وهي منطقة تضم أراضي دولة أُقيمت عليها بعض الفلل.
وأوضح الخبير في الشأن الاستيطاني أن السيطرة على هذه الأبنية تشكّل جزءًا من عملية ربط المستوطنات الشمالية، ومنها مستوطنتا “يطاف” و”نيفوت يريحو”، بالمستوطنات الجنوبية، ومنها مستوطنة “الموغ”، وهو ما يسهم في تطويق أريحا من جميع الجهات بالمستوطنات.

الاختراق
وأشار التفكجي إلى نقطة أخرى تتمثل في عملية الاختراق، موضحًا: “بمعنى أن هناك رؤية إسرائيلية ترى أن هذه المنطقة تضم تل السلطان، على سبيل المثال، وهي مدينة أريحا القديمة، وأن اليهود يرون بعض المناطق ملكًا لهم، وبالتالي يستعمل الجانب الإسرائيلي هذا الموضوع من أجل تفتيت أريحا والسيطرة عليها من جميع الجهات، حتى لا تنمو في أي اتجاه كان”.

وأضاف: “هذه هي السياسة الإسرائيلية الواضحة تمامًا، التي بدأت في مدينة القدس في فترات ما بعد عام 1967، حيث بدأت بالتطويق والاختراق والتشديد، ثم انتقلت فيما بعد إلى جنين، عندما جرى تطويقها من جميع الجهات بالمستوطنات، وأيضًا نابلس التي طُوّقت بالمستوطنات، حيث توجد محاولة لتعزيز الاختراق من خلال ذريعة “قبر يوسف”. ثم نأتي إلى منطقة رام الله التي تحيط بها المستوطنات من جميع الجهات”.

ورأى أن الرؤية الإسرائيلية واضحة تمامًا، وتقوم على مفهوم ألا تكون هناك مدن تحت سيطرة فلسطينية، بل مدن مطوَّقة، تستطيع إسرائيل إغلاقها متى تشاء وفتحها متى تشاء.

كيف تحولت أراضي الدولة إلى ملكية أفراد؟
وتساءل التفكجي في حديثه مع “القدس العربي”: “كيف وصلت هذه الأراضي من أملاك الدولة إلى الأشخاص الذين قاموا ببناء الأبنية عليها؟ ومن ثم، في وقت لاحق، يدّعي المستوطنون أنهم اشتروا الأراضي منهم؟”.
ورأى التفكجي أن هذا هو السؤال الكبير والمهم فلسطينيًا، إذ يجب العمل على فحص ومعرفة الجهة التي باعت أراضي الدولة، أو أراضي خزينة المملكة الأردنية الهاشمية، إلى هؤلاء الأشخاص الذين أقاموا الأبنية عليها.

وفي السياق نفسه، كشفت مصادر خاصة لـ”القدس العربي” أن قضية المنازل التي جرت السيطرة عليها ترتبط بملف فساد يتعلق بالمدير السابق لهيئة المعابر والحدود، نظمي مهنا، وأنها إحدى الملفات المرتبطة بالقضية نفسها، التي ظلّت مسكوتًا عنها حتى جاء المستوطنون إلى المنازل وأعلنوا سيطرتهم عليها.
وقال المصدر الخاص إن أراضي الدولة تبدو كما لو أنها بيعت في فترات سابقة، وإن ذلك جزء من ملف فساد أكبر، وهو ما يفسر وجود عشرات المنازل والفلل العائدة إلى مواطنين فلسطينيين على الأرض نفسها التي جرت السيطرة عليها.