بينما يطرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتفاقًا أمنيًا قد يشمل أوروبا بأكملها، تخشى أوكرانيا أن تتحول المبادرة إلى مسار لإعادة صياغة أمن القارة وفق مطالب موسكو، قبل إنهاء الحرب وتوفير ضمانات تحول دون تعرضها لتهديد جديد.
وعبّر زيلينسكي، في تصريحات لشبكة «سي إن إن» ومنشور عبر منصة إكس، الجمعة 6 نوفمبر/تشرين الثاني، عن شكوكه بشأن المقترحات الأميركية، قائلًا إن «الأمر بسيط، ولكنه يمكن أن يكون خطرًا علينا».
وحذر من أن موسكو لا تسعى إلى مناقشة كيفية إنهاء الحرب، وإنما إلى إطلاق نقاش بشأن هيكل أمني جديد في أوروبا. وأكد أن الأولوية يجب أن تكون إنهاء الحرب، ثم توفير ضمانات أمنية لأوكرانيا، قبل الانتقال إلى مناقشة المنظومة الأمنية الأوروبية.
اتفاق ترمب الأمني لأوروبا.. 5 محاور أولية للمبادرة الأميركية
أثار ترمب تساؤلات بشأن طبيعة المبادرة عندما تحدث، الخميس 5 نوفمبر/تشرين الثاني، عن قرب التوصل إلى اتفاق وصفه بأنه «كبير وجميل»، عقب اجتماعه بالمبعوث الروسي كيريل دميترييف في البيت الأبيض.
وقال ترمب للصحفيين إن الاتفاق المرتقب لن يقتصر على أوكرانيا، بل قد يشمل أوروبا بأكملها، مضيفًا: «سيكون اتفاقًا كبيرًا وجميلًا، وسيكون الجميع سعداء به».
وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي من دون تقديم تفاصيل بشأن الأطراف المشاركة أو الالتزامات التي سيتضمنها الاتفاق، لكنها عكست توجهًا لتوسيع نطاق المفاوضات من تسوية الحرب الأوكرانية إلى معالجة قضايا الأمن الأوروبي والعلاقات بين روسيا والغرب.
وكشف جاريد كوشنر، صهر ترمب وأحد مبعوثيه، في منشور عبر منصة إكس، الخميس 5 نوفمبر عن ملامح إطار أمني أوسع، عقب محادثات أميركية مع مسؤولين أوكرانيين وأوروبيين وممثلين عن حلف شمال الأطلسي (ناتو) في بروكسل.
وتتضمن المبادرة 5 محاور رئيسية، هي إجراء مشاورات أمنية مستمرة بين الأطراف، وإنشاء قنوات اتصال موثوقة لإدارة الأزمات، وتعزيز الشفافية بشأن الأنشطة والتحركات العسكرية، واتخاذ إجراءات متبادلة لخفض مخاطر التصعيد، وصولًا إلى وضع إطار طويل الأمد للأمن والاستقرار في أوروبا.
وقال كوشنر، في منشور لاحق، الجمعة 6 نوفمبر، إن الهدف يتمثل في معالجة المخاوف الأمنية لجميع الأطراف من خلال ترتيبات عملية ومتفق عليها تقلل احتمالات اندلاع صراعات مستقبلية.
وأكد أن أي تفاهمات يجب أن تحترم سيادة الدول وسلامة أراضيها وحقها في اختيار تحالفاتها، وأن الناتو سيظل محوريًا في منظومة الدفاع الجماعي الأوروبي.
لكن إدارة ترمب لم تعلن حتى الآن وثيقة نهائية متكاملة للخطة، وإنما كشفت عن إطار أولي ومجموعة من المبادئ الأمنية، من دون تحديد تفاصيل تنفيذية واضحة أو الالتزامات المترتبة عليها، وهو ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة الاتفاق الذي تحدث عنه الرئيس الأميركي.
مخاوف أوكرانيا من خطة ترمب.. هل تعيد موسكو طرح مطالبها؟
تتمثل نقطة الخلاف الأساسية في ترتيب الأولويات؛ إذ يرى زيلينسكي أن مناقشة مستقبل الأمن الأوروبي قبل إنهاء الحرب وتوفير ضمانات أمنية لأوكرانيا قد تمنح موسكو فرصة لإعادة طرح مطالبها الاستراتيجية على طاولة المفاوضات.
وتطالب روسيا منذ سنوات بإعادة النظر في الترتيبات الأمنية الأوروبية، خصوصًا توسع الناتو شرقًا. كما طرحت موسكو، في ديسمبر/كانون الأول 2021، مشروعي اتفاقين مع الولايات المتحدة والحلف تضمنا مطالب تتعلق بوقف توسع الناتو والحد من الأنشطة العسكرية للحلف بالقرب من الحدود الروسية.
وبالتالي، تخشى كييف أن تصبح عضويتها المستقبلية في الناتو أو خياراتها الأمنية والعسكرية جزءًا من تفاهم أوسع بين واشنطن وموسكو، بدلًا من أن تكون قرارات سيادية أوكرانية.
وتتصل هذه المخاوف أيضًا باحتمال إعادة توزيع مناطق النفوذ بين القوى الكبرى، على غرار الترتيبات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وفي هذا السياق، حذر زيلينسكي من سيناريو «يالطا 2.0»، في إشارة إلى مؤتمر يالطا عام 1945، الذي أسهم في رسم ترتيبات النفوذ بين القوى الكبرى في أوروبا.
أمن أوروبا بعد الحرب.. لماذا تتحفظ العواصم الأوروبية؟
لا تقتصر التحفظات على كييف، إذ تخشى عواصم أوروبية أن تتحول المبادرة إلى مفاوضات أميركية روسية موازية بشأن أمن القارة، من دون مشاركة أوروبية مؤثرة في صياغة نتائجها.
وتعارض العواصم الأوروبية استخدام محادثات السلام بشأن أوكرانيا للتفاوض على بنية أمنية جديدة للقارة، خشية أن تسعى موسكو إلى استعادة نطاق نفوذها وتقويض سيادة الدول المجاورة لها، الأعضاء في حلف شمال الأطلسي «الناتو». كما تخشى أن تتوصل إدارة ترمب إلى اتفاق مع روسيا على حساب الأمن الأوروبي، بحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، في وارسو، الجمعة 6 نوفمبر/تشرين الثاني، إن أوروبا لديها بالفعل منظومة أمنية قائمة، وإن المشكلة تتمثل في استمرار روسيا في انتهاك الاتفاقيات التي تستند إليها هذه المنظومة.
وأكدت أن أي اتفاق يمس أمن أوروبا يجب ألا يُفرض عليها من الخارج، وأن الاتحاد الأوروبي لن يكون ملزمًا بتنفيذ تفاهمات تُعقد من دون مشاركته.
وفي السياق، وصف مسؤول أوروبي لصحيفة «فايننشال تايمز» رسالة كوشنر بأنها «مفاجأة كاملة»، مضيفًا: «لن تكون هناك مفاوضات متزامنة بشأن الأمن الأوروبي قبل انتهاء الحرب [على أوكرانيا]. وإلى جانب ذلك، نحن نعرف ما يقصده الروس بذلك، وهذا لن يحدث».
وأضاف المسؤول: «لم يُطرح إطلاقًا أي نقاش بشأن مستقبل حلف الناتو، وهناك إجماع على أن أي تغييرات في الحلف أو تقليص لوجوده أمر غير وارد».
وقال مسؤول أوروبي ثانٍ إن التصريحات الأميركية بشأن إشراك أوروبا في مفاوضات أوسع مع روسيا حول البنية الأمنية للقارة تهدف إلى إظهار إحراز تقدم قبل محادثات أبوظبي.
تأتي هذه التحركات بالتزامن مع الاستعداد لمحادثات ثلاثية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا في أبوظبي يومي 10 و11 نوفمبر/تشرين الثاني، بهدف دفع المفاوضات نحو تسوية للحرب.
المصدر: الغد

