ما عجزت عنه اسرائيل في حربها على لبنان، جاء الاتفاق بين النظام اللبناني واسرائيل ليشعل حربا أهلية، عملت المقاومة اللبنانية الكثير من أجل تفاديها، وهذا ما تتمناه اسرائيل. الاتفاق الذي تم التوقيع عليه برعاية امريكية في واشنطن خياني بامتياز، فالاحتلال لن يتمم انسحابه الكامل من لبنان قبل سحب سلاح حزب الله، ولم يتضمن هذا الاتفاق بنودا لمحاسبة اسرائيل على جرائمها البشعة في لبنان، وما تلقاه نظام بيروت هو ثمن بخس.
لاقى الاتفاق الإطاري الذي وُقع بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ترحيبًا في أوساط حكومة الاحتلال بوصفه "إنجازًا كبيرًا"، وسط تقديرات إسرائيلية تشير إلى أن فرص نجاحه عالية، بخلاف اتفاق نوفمبر/تشرين الثاني 2024، فيما ذهب معلقون إسرائيليون إلى التصريح بأن مخطط الاحتلال هو إشعال حرب أهلية بين الأطراف اللبنانية.
وفي بيان أصدره عقب الإعلان عن الاتفاق، قال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إن المفاوضات الطويلة في واشنطن "أثمرت نتائج"، واصفا الخطوة بأنها "إنجاز كبير لإسرائيل". وأضاف أن "الأمر الأهم هو أن إسرائيل تبقى في الشريط الأمني جنوب لبنان. هذا إنجاز كبير، وسنحافظ عليه ما دام حزب الله لم يُنزع سلاحه، وما دام يشكل خطراً على دولة إسرائيل".
واعتبر نتنياهو أن اتفاق الإطار "يمثل ضربة كبيرة لإيران التي تحاول فرض انسحابنا بالقوة من جنوب لبنان".
وقال "سننشئ منطقتين تجريبيتين، وكلتاهما بناءً على توصية الجيش الإسرائيلي. وإحداهما تقع أصلاً خارج المنطقة الأمنية، جنوب الليطاني، والثانية شمال الليطاني، ويقع جزء صغير منها ضمن المنطقة الأمنية الموسعة التي حققناها (التي احتلتها إسرائيل) خلال الأسبوعين الماضيين، والتي لم يعد الجيش الإسرائيلي بحاجة إليها". واختتم نتنياهو قائلاً إنه "نحافظ باستمرار على المنطقة الأمنية الأصلية الواقعة خارج مدى الصواريخ المضادة للدروع. ولا نسمح لحزب الله بدخولها، ولا حتى للسكان. وسيستمر الحفاظ على ذلك".
من جانبها، نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية عن مصادر إسرائيلية أن "فرص نجاح الاتفاق الحالي تُعد أفضل من سابقه"، وذلك لأن الاتفاق الحالي سيشرف عليه ويتابعه مباشرة الجيش الأميركي، المفترض أن يتولى كذلك تدريب الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، بخلاف الاتفاق المبرم في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والذي نجم عنه هيئة رقابة مشتركة ضمّت ممثلين عن الولايات المتحدة وفرنسا ولبنان وإسرائيل.
وبحسب الصحيفة، فإن اتفاقية الإطار تشمل ملحقاً عسكرياً لم يُنشر، وهو الذي يحدد آلية التنفيذ. ويتضمن الملحق بحسب الصحيفة، التزاماً لبنانياً بمحاولة تحديد أماكن رفات أو بقايا المفقودين الإسرائيليين وأوّلهم الملاح رون آراد الذي فقدت آثاره منذ الثمانينيات؛ حيث أصرت إسرائيل على إدراج هذا البند. وفي إطار الاتفاق، ستُنشأ مجموعات عمل تكفل استمرار الاتصالات لإعداد اتفاق سلام وأمن شامل. إضافة إلى ذلك، يلتزم لبنان بالتوقف عن اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل في المنظمات الدولية والهيئات القضائية. وعلى الرغم مما سبق، لا يزال الجدول الزمني لتنفيذ الاتفاق غير واضح حتى الآن.
مناطق الانسحاب بالمفهوم الإسرائيلي
طبقاً لمصادر إسرائيلية، سيبقى جيش الاحتلال في الوقت الحالي على "الخط الأصفر" (الخط الذي احتله منذ مارس/آذار الماضي ويضم 55 قرية وبلدة لبنانية) وكذلك لن ينسحب من قلعة الشقيف، ولن يعود اللبنانيون إلى منازلهم. وكما كان الحال في السابق، يلتزم الجيش اللبناني هذه المرة أيضاً بتفكيك البنية التحتية العسكرية في تلك المناطق التجريبية، وفي حال نجاحه بتنفيذ ذلك بما يرضي إسرائيل، ستُضاف مناطق أخرى إلى الاتفاق.
ومن بين المناطق التي سينسحب منها جيش الاحتلال منطقة تقع شمال نهر الليطاني وشمال الخط الأصفر. وبالنسبة للمنطقة الثانية، فمن المحتمل أن تكون ضمن ما سيطر عليه جيش الاحتلال أخيرا خارج الخط الأصفر بهدف توسيع المساحة الخاضعة لسيطرة إسرائيل لتكون ورقة تفاوضية، وفقاً للصحيفة، التي لفتت إلى أنه إذا نجح الجيش اللبناني في إخلاء مناطق سيطرته من حزب الله، فإن جيش الاحتلال سينسحب أيضاً من أراضٍ تقع على امتداد "الخط الأصفر".
"حرب أهلية في لبنان"
إلى ذلك، بدا لافتاً ما قاله المعلق ومقدّم البرامج الإسرائيلي الشهير، رفيف دروكر على شاشة "القناة 13" الإسرائيلية، حول الهدف الإسرائيلي من الاتفاق. وقال دروكر إن "الخطة الإسرائيلية في لبنان هي تقسيم البلاد وإغراقها في حرب أهلية لإجبار حكومة لبنان على مواجهة حزب الله عسكرياً"، فيما قال المراسل العسكري للقناة ذاتها، ألون بن ديفيد، المعروف بصلاته الوثيقة بالمؤسستين العسكرية والأمنية وبصناع القرار، إن هذا "كان هدف إسرائيل منذ البداية"، في إشارة إلى إشعال حرب داخلية في لبنان.
لبيد: اتفاقا لبنان وإيران يتناقضان
إلى ذلك، قال زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد، إن الاتفاقين بين بيروت وتل أبيب، وطهران وواشنطن، يتناقضان على المستوى "الاستراتيجي"، إذ يهدف أحدهما إلى تجفيف مصادر تمويل "حزب الله"، بينما يتضمن الآخر تسهيلات اقتصادية لطهران، منتقدا حكومة بنيامين نتنياهو.
واتهم لبيد في تودينة على "إكس"، الحكومة الإسرائيلية بـ"الإهمال وغياب التنسيق". وقال: "تم توقيع وثيقتي إطار هذا الشهر: واحدة بين الولايات المتحدة وإيران، والأخرى بين إسرائيل ولبنان. لكل واحد منهما مشاكله الخاصة، لكن ظهرت الآن مشكلة جديدة: إنهما يدفعان في اتجاهين استراتيجيين متعاكسين".
وأضاف أنه بالنسبة لإسرائيل فإن "جوهر الاتفاق هو البند 11: الالتزام بمنع تدفق أموال إعادة الإعمار إلى جهات مسلحة غير حكومية أو كيانات مرتبطة بها"، معتبرا أن "هذا ليس بندا تقنيا، بل هو بند حاسم". وأشار إلى أنه بدون "تجفيف مصادر تمويل حزب الله، لا يمكن فعليا تفكيك قوته"، مضيفا: "يمكن تفكيك مخزن سلاح ما أو إغلاق نفق، لكن إذا استمر تدفق المال فإن المنظومة ستعيد بناء نفسها من جديد".
رؤساء مستوطنات الشمال يشككون
من جهة أخرى، شكك رؤساء المستوطنات الشمالية بإمكانية تحقيقة أو تنفيذه؛ إذ نقلت صحيفة "هآرتس"، عن رئيس مستوطنة "كفار فراديم"، أيال شموئيلي، قوله إن "التجربة أثبتت في الماضي القريب والبعيد، أن حكومة لبنان لم تنفذ المسؤولية التي ألقيت على عاتقها بنزع سلاح حزب الله". وأضاف شموئيلي "يجب أن نكون واقعيين، فإن لم نشهد تغييراً حقيقاً على الأرض وتفكيكاً لقدرات حزب الله العسكرية إلى جانب إنفاذ فعلي للاتفاق، سيكون صعباً تجاهل احتمال أن نضطر إلى جولة قتال أخرى في الشمال مستقبلاً والغرق في المستنقع اللبناني".
أمّا رئيس مجلس مستوطنة "مطولا" (المطلة)، ديفيد أزولاي، فطالب جيش الاحتلال الإسرائيلي والقيادة السياسية بالالتزام بتنفيذ انسحاب مُراقب؛ إذ قال إنه "لا ينبغي أن ينسحب الجيش الإسرائيلي بالكامل إن لم يُنزع سلاح حزب الله".
من جهته، اعتبر رئيس المجلس الإقليمي ماطيه آشر، ورئيس منتدى "خط المواجهة"، موشيه دافيدوفيتش، أن "اختبار الاتفاق سيكون بتحقيق الأمن لسكان مستوطنات خط المواجهة"، فيما أوضح رئيس المجلس الإقليمي للجليل الأعلى، أساف لَنغلبن، أن مستوطني الجليل "تعلموا أن الوعود غير كافية"، مشدداً على أن "وجوداً أمنياً قويّاً ونزع سلاح حقيقي، وإنفاذاً فعالاً (للاتفاق) فقط هو ما سيسمح بإعادة شعور الأمن".
العربي الجديد

