2026-08-04 12:19 ص

بيئة سياسية تحكمها موازين القوى التقليدية-الانتخابات الفلسطينية... الدوافع والسياقات ودلالات التوقيت

2026-08-03

أصدر الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في 9 يوليو/تموز 2026، مرسومًا حدّد فيه يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية، على أن يحدَّد لاحقاً موعد إجراء الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في الربع الأول من عام 2027. وصدر المرسوم بعد نحو شهر من إقرار القانون رقم (10) لسنة 2026، المعدِّل للقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته. وينص القانون الجديد على زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي، وخفض سنّ الترشح، ورفع نسبة تمثيل المرأة، فضلًا عن إلزام كل مرشح بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
وتطرح العودة إلى الانتخابات في هذا التوقيت، بعد غياب استمر عقدين، تساؤلات بشأن دوافعها المحلية، ومدى ارتباطها بالضغوط الإقليمية والدولية الرامية إلى "إصلاح" أوضاع السلطة الفلسطينية، تمهيدًا لخوض ترتيبات ما بعد الحرب على غزّة، فضلًا عن انعكاسات ذلك على القضية الفلسطينية، في ظل استمرار سياسات الإبادة والتجويع في غزّة، وتصاعد خطط التهجير والاستيطان والضم في الضفة الغربية، والسعي إلى فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة في لحظة يشهد فيها الموقف العربي انهيارًا.

دوافع الإعلان عن الانتخابات
تُعدّ الانتخابات الرئاسية التي أُجريت عام 2005، والانتخابات التشريعية التي تلتها عام 2006، آخر استحقاقَين انتخابيَين على المستوى الوطني، قبل أن يفضي الانقسام الفلسطيني عام 2007 إلى تعطيل المسار الانتخابي. ومع أن الرئيس عباس أصدر، في 15 يناير/كانون الثاني 2021، مرسومًا رئاسيًا دعا فيه إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، فإنه عاد، في 30 إبريل/نيسان 2021، عقب انتهاء مرحلة الترشح، وأصدر قرارًا بتأجيلها "إلى حين توفر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس". وقد عُزي ذلك القرار، حينها، إلى مخاوف من خسارة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" أمام قوائم منافِسة، وإلى عدم حماسة إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، التي خشيت أن تؤدي الانتخابات إلى تعزيز مواقع حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، كما حدث في انتخابات عام 2006. أما حجة عدم التمكن من إجرائها في القدس، فتثير تساؤلًا عما إذا كان هذا الظرف قد تغيّر، أو سيتغيّر حتى الموعد المحدد لإجراء الانتخابات.
يُعدّ تصاعد الضغوط الدولية على السلطة الفلسطينية لإجراء "إصلاحات سياسية ومؤسسية"، ضمن ترتيبات مرحلة ما بعد حرب غزّة، أحد أبرز العوامل التي أعادت الانتخابات إلى الواجهة. ففي نوفمبر 2023، تبنّت إدارة بايدن مصطلح "السلطة الفلسطينية المتجددة"، وربطت تمكينها من إدارة قطاع غزّة بتنفيذ حزمة من "الإصلاحات السياسية والإدارية والأمنية والمالية". واستمر هذا التوجه في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ إذ ربطت خطته بشأن "اليوم التالي" للحرب عودة السلطة الفلسطينية إلى إدارة قطاع غزّة باستكمال حزمة من الإصلاحات المحدَّدة، على أن يدير القطاع، خلال الفترة الانتقالية، لجنة تكنوقراط فلسطينية تعمل تحت إشراف "مجلس السلام"، الذي أُعلن تأسيسه رسميًا مطلع عام 2026، إلى حين استكمال تلك الإصلاحات. وتبنّى الاتحاد الأوروبي المسار نفسه، حين اشترط، لتقديم دعم مالي عاجل بقيمة 400 مليون يورو، إلى جانب برنامجه للدعم الشامل للأعوام 2025-2027، البالغة قيمته 1.6 مليار يورو، إحراز تقدّم في الإصلاحات، وعدّ ذلك شرطًا لتمكين السلطة من الاضطلاع بدور في إدارة القطاع بعد الحرب.
وبعيدًا عن الضغوط الدولية، شكّلت هشاشة السلطة وفشلها في التعامل، بالمستوى المطلوب، مع الأحداث المصيرية التي واجهت القضية الفلسطينية بعد عملية "طوفان الأقصى"، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عاملًا ضاغطًا آخر نحو إعادة طرح الانتخابات الفلسطينية بوصفها مدخلًا لتجديد الشرعية. وتعكس نتائج آخر استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، في سبتمبر/أيلول 2024، مدى تراجع الثقة بالسلطة الفلسطينية؛ إذ عبّر 22% فقط من المستطلعة آراؤهم عن رضاهم عن أداء السلطة، في حين بلغت نسبة الرضا عن أداء الرئيس الفلسطيني 18%، مقابل 81% أعربوا عن عدم رضاهم عن أدائه. وأظهرت النتائج كذلك، حينها، محدودية الثقة بحكومة رئيس الوزراء محمد مصطفى، التي عيّنها الرئيس عباس في آذار/ مارس 2024 ضمن سلسلة الإصلاحات التي شرعت فيها السلطة؛ إذ رأى 69% من الفلسطينيين أنها لن تنجح في تنفيذ إصلاحات عجزت عنها حكومة رئيس الوزراء السابق محمد اشتية. وكانت السلطة الفلسطينية قد شرعت، خلال العامين الأخيرين، في تنفيذ سلسلة من التعديلات السياسية والمؤسسية، شملت استحداث منصب نائب رئيس السلطة ومنظمة التحرير، وتفعيل هذا المنصب بتعيين حسين الشيخ بوصفه أول من شغله، وإجراء انتخابات مجالس الهيئات المحلية، وعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح بعد انقطاع دام عدة سنوات، وتحديد موعد لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وإقرار نظامه الانتخابي، والشروع في إعداد دستور فلسطيني مؤقت.
التعديلات القانونية ومخاوف "هندسة" الانتخابات
تفتح التعديلات التي أدخلها الرئيس الفلسطيني على قانون الانتخابات العامة، والمنشورة في الجريدة الرسمية في 18 يونيو/حزيران 2026، مرحلة جديدة في تنظيم العملية الانتخابية؛ إذ أعادت صياغة عدد من أحكام قانون الانتخابات العامة لعام 2007، وقدّمت إطارًا قانونيًا مختلفًا عن ذلك الذي كان يُفترض أن تُجرى انتخابات عام 2021 على أساسه. ويرفع التعديل عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 عضوًا إلى 200 عضو، ويوسّع بذلك قاعدة التمثيل بما يسمح باستيعاب عدد أكبر من مراكز القوى والشخصيات المحلية، ويوفّر للقائمة الرسمية لحركة فتح هامشًا أوسع لإدارة توازناتها الداخلية. ويدعم التعديل كذلك التوجه إلى اعتبار أعضاء المجلس التشريعي ممثلين للداخل في المجلس الوطني الفلسطيني، بما يخفف الحاجة إلى إجراء انتخابات مستقلة للمجلس الوطني داخل الأراضي الفلسطينية، مع الإبقاء على الانتخابات المقررة في الخارج في نوفمبر 2026، ولا سيما في ظل احتمال ظهور تحفظات دولية على تنظيم انتخابات للمجلس الوطني في الداخل، في ضوء استمرار الاعتراف الدولي بالسلطة وحدها. ومع ذلك، يبقى هذا الترتيب قابلًا للمراجعة إذا اقتضت ترتيبات الجمع بين رئاستي السلطة ومنظمة التحرير إعادة النظر فيه.

ويخفّض التعديل نسبة الحسم اللازمة لفوز الكتل والأحزاب بالمقاعد من 2% إلى 1%، بما يوسّع فرص دخول القوائم الصغيرة إلى المجلس التشريعي، لكنه يزيد، في الوقت نفسه، احتمالات تشتّت الأصوات، ويمنح القوائم المحلية والعشائرية فرصًا أكبر للحصول على تمثيل برلماني، في وقت تعاني فيه الأحزاب والفصائل الفلسطينية تراجعًا في حضورها الشعبي، ويعجز معظمها عن بناء تحالفات انتخابية مستقرة. ويخفّض التعديل أيضًا سن الترشح من 28 عامًا إلى 23 عامًا، في حين يرفع تمثيل المرأة من خلال اشتراط وجود امرأة واحدة على الأقل بين كل ثلاثة مرشحين في القائمة الانتخابية الحزبية. وعلى الرغم من أن هاتين الخطوتين تحملان بعدًا إصلاحيًا على المستوى القانوني، فإنهما تدخلان حيز التنفيذ في بيئة سياسية ما زالت تحكمها موازين القوى التقليدية، بما يحدّ من قدرة الشباب والنساء على خوض منافسة متكافئة. ويضيف التعديل شرطًا جديدًا يُلزم كل مرشح بالالتزام بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. ويضع هذا الشرط إطارًا سياسيًا ملزمًا لجميع القوائم قبل بدء الانتخابات، ويمنح السلطة قدرة أكبر على ضبط حدود العملية الانتخابية، بما يجعل مشاركة بعض القوى السياسية مشروطةً بالقبول المسبق بهذه الالتزامات.
الانتخابات والعامل الإسرائيلي
تأمل السلطة أن يؤدي إجراء الانتخابات إلى تعزيز شرعيتها داخليًا وخارجيًا، غير أن هذه العملية تجري ضمن بيئة سياسية وأمنية تعمل إسرائيل على إعادة تشكيلها منذ اندلاع حرب الإبادة على غزّة، بهدف إحكام سيطرتها على كامل الأراضي الفلسطينية. وتعكس تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الرافضة لأيّ دور للسلطة في غزّة، ومعارضته قيام دولة فلسطينية، إلى جانب تهديدات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش للسلطة، وسعيه إلى تقويضها سياسيًا وماليًا، تصورًا إسرائيليًا يهدف إلى إعادة تعريف وظيفة تلك السلطة التي نشأت بموجب اتفاق أوسلو عام 1993.
وفي الضفة الغربية، تعاملت حكومة الاحتلال الإسرائيلي مع أحداث "7 أكتوبر" بوصفها فرصة لتطبيق برنامجها القائم على "حسم الصراع"؛ فجمعت بين تصعيد سياسة الضم، والتوسع الاستيطاني، والطرد الممنهج، وفرض وقائع تمهّد لإعلان السيادة الإسرائيلية. وتجسَّد هذا التوجه في تسريع إجراءات التوسع الاستيطاني، وكان آخرها توقيع عقد، في 14 يوليو 2026، بقيمة 8.5 مليارات شيكل (2.3 مليار دولار أميركي)، لتوسيع المستوطنات عبر بناء 12 ألف وحدة سكنية جديدة. ورافق ذلك تشديد غير مسبوق للقيود المفروضة على حرية التنقل؛ إذ وثّقت منظمات دولية إقامة ما يقارب ألف حاجز وبوابة عسكرية داخل أراضي الضفة الغربية منذ عملية طوفان الأقصى، إلى جانب تشديد القيود على حركة الفلسطينيين عبر معبر الكرامة، أثناء دخولهم إلى الضفة وخروجهم منها. وسجّل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 1828 اعتداءً نفّذه مستوطنون خلال عام 2025، وهو أعلى رقم منذ بدء التوثيق عام 2006، في حين أدى تصاعد عنف المستوطنين إلى تهجير 118 تجمعًا فلسطينيًا بين عامَي 2023 و2025، وسيطرة البؤر الاستيطانية الزراعية والرعوية على أكثر من مليون دونم من أراضي الضفة. وإضافة إلى ذلك، هجّر الجيش الإسرائيلي أكثر من 32 ألف فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس منذ مطلع عام 2025، وأعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في 26 يوليو 2026، نيته توسيع هذا النموذج ليشمل قرى وبلدات ومخيمات أخرى في الضفة. ولم يكن للسلطة الفلسطينية حضور ملحوظ في مواجهة إجراءات الاحتلال غير المسبوقة في الضفة، أو التغول الاستيطاني واعتداءات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية.

ويتكامل هذا المسار مع ضغوط مالية واقتصادية تستهدف قدرة السلطة الفلسطينية على أداء وظائفها؛ إذ بلغت قيمة أموال الضرائب الفلسطينية المستحقة للسلطة، التي تحتجزها إسرائيل، نحو ستة مليارات دولار أميركي. وتتواصل أيضًا أزمة رواتب ما يقارب 200 ألف موظف حكومي منذ اندلاع الحرب. وتقوّض هذه الإجراءات البيئة السياسية والمؤسسية اللازمة لإجراء الانتخابات، وتجعلها، إن جرت، استحقاقًا ضمن واقع تعيد إسرائيل تشكيله على الأرض، بما يخدم مساعيها إلى إنشاء سلطة تؤدي وظائف بلدية وتحافظ على الاستقرار القائم، من دون أن تشكّل تحدّيًا سياسيًا.
أما في قطاع غزّة، فيأتي الإعلان عن الانتخابات في سياق ترتيبات "اليوم التالي" للحرب، وتحديد الجهة التي ستتولى إدارة القطاع والإشراف على إعادة إعماره. ولا تزال هذه العملية تواجه عقبات كبرى بسبب مواصلة إسرائيل قصف القطاع وحصاره، وتمسّكها بالبقاء في المناطق التي تسيطر عليها داخله. وحتى مع إعلان ترامب، في 31 يوليو 2026، التوصل إلى خريطة طريق لاستكمال تنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وإعلان حركة حماس، قبل ثلاثة أسابيع منه، حلّ لجنة الطوارئ الحكومية تمهيدًا لنقل المهمات الإدارية إلى "اللجنة الوطنية لإدارة غزّة"، بقي الموقف الإسرائيلي على حاله، متمسّكًا برفض الانسحاب من القطاع، وربط أيّ انسحاب بتجريده من السلاح، خلافًا للمقترح الذي توصّل إليه الوسطاء في القاهرة. وكان وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير قد هاجم مسودة الاتفاق، وعدّها غير مقبولة لإسرائيل. واتساقًا مع هذا الموقف، تمتنع إسرائيل، منذ بدء تنفيذ المرحلة الأولى، عن استكمال التزاماتها، وتواصل توسيع سيطرتها العسكرية على القطاع. وفي نهاية مايو/أيار 2026، أعلن نتنياهو أن هدف حكومته يتمثل في توسيع نطاق السيطرة من نحو 60% من مساحة القطاع حاليًا إلى 70%، بعدما كانت تبلغ نحو 53% عند توقيع اتفاق وقف إطلاق النار أكتوبر 2025. وتحاول إسرائيل، بعد موافقة مجلسها الوزاري السياسي والأمني المصغر "الكابينت" على إدخال قوة الاستقرار الدولية التابعة لـ "مجلس السلام" إلى القطاع، في 26 يوليو 2026، تكريس وجودها العسكري في المناطق التي تسيطر عليها، من خلال حصر عمل هذه القوة خارج منطقة "الخط الأصفر"، وإنشاء مقر تمركز لها قرب مدينة رفح، تمهيدًا لإقامة ما تسميه "المدينة الإنسانية"، بوصفها منطقة تخضع لترتيبات أمنية وإدارية منفصلة.
ومع ذلك، تأمل السلطة أن تقود الضغوط الإقليمية والدولية، في نهاية المطاف، إلى تولّيها إدارة القطاع، بما يمكّنها من قيادة عملية إعادة الإعمار بوصفها الشريك الفلسطيني الذي يستطيع المانحون التعامل معه، ولا سيما أن معظم المبادرات العربية والدولية التي طُرحت خلال العامين الأخيرين بشأن مرحلة ما بعد الحرب أشارت إلى ذلك، بما فيها قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803، الذي أكد أهمية تمكين السلطة من الاضطلاع بدور رئيس في إعادة الإعمار "بعد تنفيذ الإصلاحات". وبناء عليه، يصبح إجراء الانتخابات استجابةً لحاجة دولية إلى إيجاد طرف فلسطيني ينفّذ الالتزامات الأمنية والسياسية المطلوبة لإعادة ترتيب أوضاع القطاع بعد الحرب، أكثر من ارتباطه بالاستحقاقات الوطنية الفلسطينية. ومع ذلك، يبقى مرجّحًا أن تعطّل إسرائيل مسار الانتخابات، سواء بمنع إجرائها كليًا أو بحصرها في أجزاء من الأراضي الفلسطينية عبر استبعاد القدس، والعمل على استبعاد القطاع أيضًا. وتزداد احتمالات ذلك في ضوء اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر 2026؛ إذ قد تجد الحكومة الحالية في التشدد تجاه السلطة وسيلةً لتعزيز موقعها لدى جمهورها، وهو ما يتسق مع مواقفها المعلنة الداعية إلى تقويض السلطة، بل حلها واستبدالها بصيغ إدارة محلية أو عائلية.

الانقسام الفلسطيني حول الانتخابات
بعيدًا عن الحسابات الإقليمية والدولية المتعلقة بالانتخابات، والرؤية الإسرائيلية التي تضعها في إطار ترتيبات "اليوم التالي"، تبرز في الساحة الفلسطينية مؤشرات إلى احتمال تحوّل الانتخابات إلى مصدر لأزمة سياسية جديدة تعيد إنتاج الانقسام، أو تفتح الباب أمام أشكال جديدة من الصراع على الشرعية والسلطة. ويعكس موقف عدد من القوى الفلسطينية هذه المؤشرات؛ ففي 28 يونيو 2026، دعت حركتا حماس والجهاد الإسلامي والمبادرة الوطنية، والجبهتان الشعبية والديمقراطية، والجبهة الشعبية - القيادة العامة، الرئيس الفلسطيني إلى عقد اجتماع عاجل للأمناء العامين للفصائل، وإطلاق حوار وطني شامل يسبق الانتخابات، مؤكدةً أن عملية إعادة بناء المؤسسات الوطنية يجب أن تقوم على التوافق والشراكة الوطنية. وتبنّى الائتلاف الأهلي للانتخابات مقاربة مشابهة، فدعا إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وفي قطاع غزّة، ورفض التعامل مع الانتخابات بوصفها ترتيبات جزئية أو إجراءً إداريًا، ورفض الشروط الجديدة التي قيّدت حق الترشح، وطالب بحوار وطني واسع يسبق العملية الانتخابية ويهيِّئ بيئتها السياسية والقانونية. وتعزز الانقسامات داخل حركة فتح هذه المؤشرات؛ إذ عمّق المؤتمر الثامن الخلافات التنظيمية، وكشف احتدام التنافس على مواقع النفوذ داخل قيادة الحركة، بما يرجّح خوض الانتخابات التشريعية بأكثر من قائمة "فتحاوية" متنافسة. ويعيد ذلك إلى الواجهة الظروف التي دفعت الرئيس عباس إلى تأجيل الانتخابات عام 2021، في ظل تصاعد احتمالات خسارة القائمة الرسمية أمام قوائم منافسة من داخل الحركة. وفي المقابل، فإن أيّ تعثّر في إجراء الانتخابات، أو الاكتفاء بإجراء الانتخابات التشريعية من دون استكمال الاستحقاقات الانتخابية الأخرى، سواء أكان نتيجة اعتبارات داخلية أم ضغوط خارجية أم تدخّل إسرائيلي، سيعيد فتح الصراع على الشرعية والتمثيل في المشهد السياسي الفلسطيني.
خاتمة
جاء الإعلان عن إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في نوفمبر 2026 في ظل ضغوط إقليمية ودولية متزايدة لإعداد ترتيبات ما بعد الحرب على غزّة. ومع أن السلطة اتخذت، خلال العامين الأخيرين، سلسلة من الإجراءات الإصلاحية، فإن هذا المرسوم يمثّل أبرز حلقاتها؛ لأنه يعيد رسم قواعد المنافسة السياسية، ويحدّد شكل المؤسسات التي ستدير المرحلة المقبلة، ويعيد تشكيل موازين القوى داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير. وفي حين تدفع الأطراف الإقليمية والدولية نحو هذه الإصلاحات بوصفها خطوة لإعادة إحياء المسار السياسي، تواصل إسرائيل فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة في الضفة الغربية وقطاع غزّة، بما يحوّل هذه الإصلاحات، عمليًا، إلى جزء من ترتيبات إدارية وتقنية تُعنى بإدارة السكان والخدمات في مرحلة ما بعد الحرب، أكثر من كونها مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وإقامة دولة مستقلة. وتبقى القضايا الوطنية الرئيسة، والوحدة الوطنية في مواجهة تحديات مرحلة ما بعد حرب الإبادة وتعقيداتها، خارج إطار هذه الإصلاحات. وفي غياب حوار وطني فلسطيني شامل يحدد أهداف هذه الانتخابات وحدودها، تتزايد احتمالات بروز انقسامات سياسية جديدة في مرحلة تفرض فيها إسرائيل وقائع سياسية وجغرافية جديدة على الأرض.

المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات